تحوي الرواية البوليفونية مجموعة من الشخصيات أو الأصوات التي تتصارع فيما بينها فكريا وإيديولوجيا. وبالتالي، تملك أنماطا من الوعي المختلف عن وعي الكاتب وإيديولوجيته الشخصية. ويعني هذا أن الشخصيات في الرواية البوليفونية تتمتع باستقلال نسبي، ولها الحرية الكاملة في التعبير عن عوالمها الداخلية والموضوعية، ولها الحق في الكلمة الحقة والصريحة التي قد تتعارض، بشكل من الأشكال، مع كلمة المؤلف أو السارد أو البطل الموجه من قبل الكاتب. وبهذا، يكون دويستفسكي هو"خالق الرواية المتعددة الأصوات (Polyphone) .. لقد أوجد صنفا روائيا جديدا بصورة جوهرية. وبهذا السبب بالذات، فإن أعماله الإبداعية لا يمكن حشرها داخل أطر محددة من أي نوع، وهي لا تذعن لأيٍّ من تلك القوالب الأدبية التي وجدت عبر التاريخ، واعتدنا تطبيقها على مختلف ظواهر الرواية الأوربية. ففي أعماله يظهر البطل الذي بنى صوته بطريقة تشبه بناء صوت المؤلف نفسه في رواية ذات نمط اعتيادي. إن كلمة يتلفظ بها البطل حول نفسه هو بالذات، وحول العالم، تكون هي الأخرى كاملة الأهمية تماما مثل كلمة المؤلف الاعتيادية. إنها لا تخضع للصورة الموضوعية الخاصة بالبطل بوصفها سمة من سماته، كذلك هي لا تصلح أن تكون بوقا لصوت المؤلف. هذه الكلمة تتمتع باستقلالية استثنائية داخل بنية العمل الأدبي .. إن أصداءها تتردد جنبا إلى جنب مع كلمة المؤلف، وتقترن بها اقترانا فريدا من نوعه، كما تقترن مع الأصوات الكبيرة القيمة، الخاصة بالأبطال الآخرين." [1]
وما يلاحظ على شخصيات الرواية البوليفونية أنها شخصيات غيرية مستقلة عن شخصية السارد أو المؤلف أو الشخصية التي تمثل الكاتب نفسه، كما أنها شخصيات حرة. وهنا، ليست الحرية مطلقة، بل هي حرية نسبية. وفي هذا النطاق، يقول ميخائيل باختين:"لقد تم التوصل إلى الاستقلالية الداخلية المدهشة لأبطال دويستفسكي."
(1) - ميخائيل باختين: نفسه، ص:11.