حدود الرواية، وحتى رواية (الحمار الذهبي) لأبوليوس هي نوع من الهجائية المنيبية المتطورة. كما يتسم هذا النوع الأدبي بالروح الكرنفالية، والهجائية الساخرة، وهيمنة عنصر الضحك، والميل إلى حرية الخلق والإبداع والخيال، وانتشار روح المغامرة، وانبثاق الخيال الجامح، والأخذ بالجرأة، والخارق، والرمزية، واستفزاز الحقيقة واختبارها، والانطلاق من الفكرة الفلسفية ... وبهذا المعنى، يمكننا القول إن"مضمون المنيبية يتكون من مغامرات الفكرة أو الحقيقة في العالم: على الأرض أو في الجحيم أو في أعالي الأولمب." [1]
ومن هنا، فقد كانت نشأة الرواية نشأة شعبية عادية؛ كما يدل على ذلك الحوار السقراطي، والهجاء المنيبي، والكرنفال الاحتفالي الجماهيري. وتشترك هذه الأجناس كلها في المحاكاة، والضحك، والسخرية، والهزل، والشعبية، والحوارية ... في مقابل تلك النظرية التي ترى أن نشأة الرواية بورجوازية قائمة على تصدع الذات في علاقتها بالموضوع. ومن ثم، تحن الرواية - دائما - إلى عصر الملحمة؛ حيث الوحدة الكلية والمطلقة بين الذات والموضوع.
تمتاز الرواية البوليفونية أو الرواية الحوارية أو الرواية الديالوجية بمجموعة من المقومات والمكونات والسمات الدلالية والفنية والجمالية، ويمكن حصرها في العناصر التالية:
المطلب الأول: التعددية في الأطروحات الفكرية
تتضمن الرواية المنولوجية - كما هو معلوم - فكرة واحدة أو موقفا إيديولوجيا واحدا. وغالبا، ما تكون تلك الفكرة هي فكرة الكاتب المهيمنة؛ كما نجد ذلك واضحا في
(1) - ميخائيل باختين: نفسه، ص:167.