فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 203

المطلب العاشر: فضاء العتبة

من المعلوم أن فضاء العتبة (Seuil) ، في الرواية البوليفونية، هو فضاء الصدمات والأزمات والمشاكل العضوية والنفسية. بمعنى أن الأماكن التي يعيش فيها البطل، أو التي ينتقل عبرها، هي أماكن موحشة وعدوانية، تثير الاشمئزاز والقلق والغثيان والموت. وبتعبير آخر، ففضاء العتبة هو فضاء الكوارث التي تعصف بالإنسان المقهور داخل مجتمع محبط، تنعدم فيه القيم الأصيلة، وتهيمن عليه العلاقات التشييئية الرأسمالية؛ حيث تتحول القيم المعنوية أو الكيفية إلى قيم مادية واستعمالية قائمة على البراغماتية والمنفعة والتبادل. وقد يكون هذا الفضاء عبارة عن فضاءات مفتوحة؛ كالساحات أو الممرات أو العتبات الوسيطة التي تفصل الداخل عن الخارج. وترتبط بهذه الفضاءات أزمات خانقة تؤثر سلبا في حياة البطل، وتشكل موقفه الإيديولوجي من العالم، وتحدد مصيره في ضوء مصائر الآخرين الذين يعيشون معه في نفس العالم المحيط به. أما الزمان الذي يندغم فيه ذلك البطل المقهور، فهو زمن مشحون بالتوتر والقلق والسأم والتأزم والصراع التراجيدي. وهنا، نتحدث عن بطل يسمى بـ"الشخصية غير المنجزة". أي: شخصية قلقة ومنهارة ومتضعضعة. وبالتالي، فهي غير منجزة حدثيا، وغير مستقرة في حياتها. وتعتبر روايات دويستفسكي؛ كرواية (الجريمة والعقاب) ، ورواية (الإخوة كرامازوف) ، من الروايات متعددة الأصوات (البوليفونية) التي سبقت إلى توظيف هذا النوع من الفضاء الإشكالي. كما يرد هذا النوع من الفضاء في الهجائيات المينيبية التي تأثر بها دويستفسكي كثيرا. وفي هذا الصدد، يقول ميخائيل باختين:"إنه، في الحقيقة، وصف صائب تماما للطريقة التكوينية لبناء المينيبية الخيالية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الوصف يمكن أن يعم، باستثناء حالات قليلة، على كل المنهج الإبداعي عند دويستفسكي. إن دويستفسكي لا يستخدم أبدا، تقريبا، في أعماله الزمن البيوغرافي التأريخي المستمر نسبيا. أي: الزمن الروائي بمعنى الكلمة. إنه يقفز من خلاله .. إنه يركز الحدث في نقاط الأزمات، والانعطافات، والكوارث؛ حيث تصبح اللحظة معادلة، من حيث قيمتها الداخلية، لـ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت