تناول لوتمان أشكال الفضاء الثقافي، فقسمه إلى فضاء جغرافي، وفضاء ثقافي، وفضاء كوني ... ومن ثم، ينبني الفضاء الجغرافي، في العصر الوسيط، على التقابل بين الأرض والسماء، أو بين حياة الأرض وحياة العالم الآخر، أو بين الحياة الأرضية والحياة السماوية، أو بين البقاع الطاهرة والبقاع الآثمة، بل هناك تقابل بين الفضاء (الأرض) واللافضاء (الآخرة) . ويعني هذا أن الفضاء الجغرافي يتخذ، في العصور الوسطى، بعدا دينيا وأخلاقيا وروحانيا، ويتسم الاتجاه القيمي لهذا الفضاء بكونه عموديا، يتحرك من الأسفل نحو الأعلى. ويعني هذا التحرك أن الروحاني يسمو على ماهو دنيوي وأرضي. وبالتالي، يعتبر رجال الدين أن ما هو سماوي هو الأسمى والأعلى، على الرغم من كونه يجري خارج الفضاء، ويتخذ طابعا مثاليا خالصا؛ لأن"التحرك داخل الفضاء الجغرافي يدل على التحرك على طول السلم العمودي للقيم الدينية والأخلاقية. تتكون قمة السلم من السماء، وتتكون قاعدته من الجحيم." [1]
ومن هنا، ترتبط الأخلاق بالأمكنة، وتتخذ الأمكنة دلالات أخلاقية. لذا، فقد"أصبحت الجغرافيا شكلا من أشكال الأخلاق." [2]
وفي العصور الوسطى، كثرت الكتب التي تعنى بتصوير الفضاء العلوي المقابل للفضاء السفلي. ومن هنا، فقد اتخذ الفضاء بعدا جغرافيا وأخلاقيا، فكثرت الأسفار من الأرض إلى الجنة والجحيم؛ مثل: (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، و (الكوميديا الإلهية) لدانتي. وفي هذا الصدد، يقول لوتمان:"باتفاق مع هذه الأفكار، كان رجل العصور الوسطى يعتبر السفر داخل الفضاء الجغرافي مثل انتقال المعنى الديني والأخلاقي للكلمة: البلدان كانت تصنف مثل بلدان بدع وثنية أو بلدان قداسة. المثل الاجتماعية - كما هو الأمر بالنسبة لكل الأنساق الاجتماعية التي يمكن أن يتخيلها"
(1) - يوري لوتمان: نفسه، ص:132.
(2) - يوري لوتمان: نفسه، ص:133.