تتعدد المنظورات السردية في الرواية البوليفونية؛ فينتقل الكاتب من وجهة نظر إلى أخرى، حيث ينطلق من الرؤية من الخلف ليمر إلى الرؤية الرؤية مَعَ أو المُصاحِبة. وبعد ذلك، يستعمل الرؤية من الخارج. كما ينوع الضمائر السردية؛ حيث يشغل ضمير الغائب، فضمير المتكلم، ثم ضمير المخاطب (أسلوب الالتفات) . أو ينتقل من السارد الواحد إلى السارد المتعدد، كما ينتقل من السارد المطلق إلى السارد النسبي والسارد الشاهد، أو يتأرجح بين سارد حاضر وسارد غائب، أو بين سارد مشارك وسارد محايد. وكلما تعددت وجهات النظر، واختلفت المنظورات السردية، وتعددت الضمائر، وتنوع الرواة والسراد، كانت الرواية أقرب إلى الرواية الحوارية منها إلى الرواية التقليدية ذات الصوت الواحد.
ومن النماذج الروائية التي انشغلت كثيرا بتقنية تعدد الرواة والسراد، نذكر رواية (لعبة النسيان) لمحمد برادة؛ حيث يقول على لسان راوي الرواة:"لعلني تسرعت في الإفضاء بتأملاتي هذه حول ما حكاه لنا رواة هذا الفصل. وقد لا يكون ذلك هو ما قصد إليه الكاتب؛ لأن التعليقات التي أثبتها على الهوامش تلح كثيرا على أن الزمان لا يوقر أحدا، وأنه غير مطمئن إلى الطريقة التي تصور بها علاقة الطايع بالهادي. وفي رأيه - إذا جاز لي أن أغامر بالاستخلاص - أن استقصاء الحالات وتشخيصها عملية لا تقف عند حد: فكلما توخينا الدقة، كلما اتسعت الدائرة، وبرزت عناصر أخرى لا تخلو من تأثير. فتتوالد افتراضات تتقاطع مع الأولى. من ثم، فإن أوراقًا ملحقة تشتمل على بلاغات وخطب وقصاصات صحف وربورتاجات مستنسخة عن الإذاعة ... فوجدتني محتارا عند الاختيار. لذلك، آثرت أن أكتفي، هنا، بإيراد عينة فقط من تلك الأوراق الملحقة ..." [1]
(1) - محمد برادة: لعبة النسيان، ص:80.