معينة، يتم ترجيحها سردا وتحبيكا وتخطيبا. في حين، تتضاءل الإيديولوجيات الأخرى؛ حيث يتم تبخيسها فكريا، والانتقاص منها عمدا لوجود السارد العارف المطلق الذي يتحكم في دواليب السرد والحكي، بغية التأثير في المتلقي المفترض. أما الرواية البوليفونية، فهي رواية قائمة على تعدد الأصوات، والشخصيات، واللغات، والأساليب، والمواقف، والمنظورات السردية. ويعني هذا أنها رواية ديمقراطية تستدمج كل القراء المفترَضين، ليدلوا بآرائهم بكل حرية وتلقائية، فيختاروا ما يشاؤون من المواقف والإيديولوجيات المناسبة. في حين، نجد الرواية التقليدية رواية أحادية الصوت، يتحكم فيها الراوي المطلق والسارد العارف بكل شيء.
إذًا، ما الرواية البوليفونية؟ وما خلفياتها النظرية؟ وما مكوناتها الدلالية والفنية والمرجعية؟ وما أهم النماذج الروائية العربية التي استفادت بشكل من الأشكال من الرواية البوليفونية؟
يقصد بالبوليفونية (Poliphonie/poliphony) - لغة- تعدد الأصوات، وقد أخذ هذا المصطلح من عالم الموسيقا، ليتم نقله إلى حقل الأدب والنقد. ومن ثم، فالمقصود بالرواية البوليفونية تلك الرواية التي تتعدد فيها الشخصيات المتحاورة، وتتعدد فيها وجهات النظر، وتختلف فيها الرؤى الإيديولوجية. بمعنى أنها رواية حوارية تعددية، تنحو المنحى الديمقراطي؛ حيث تتحرر، بشكل من الأشكال، من سلطة الراوي المطلق، وتتخلص أيضا من أحادية المنظور واللغة والأسلوب. وبتعبير آخر، يتم الحديث، في هذه الرواية المتعددة الأصوات والمنظورات، عن حرية البطل النسبية، واستقلالية الشخصية في التعبير عن مواقفها بكل حرية وصراحة، ولو كانت هذه المواقف، بحال من الأحوال، مخالفة لرأي الكاتب. وللتوضيح أكثر: تسرد كل شخصية الحدث الروائي بطريقتها