هذه الاستقلالية التي لاحظها أسكولدوف، بوسائل فنية محددة. ولقد تمثل ذلك، بالدرجة الأولى، في حريتهم واستقلاليتهم نفسها داخل بنية الرواية، تجاه المؤلف، أو بكلمة أدق: تجاه تحديدات المؤلف الاعتيادية والإظهارية والإنجازية. إن هذا لا يعني، طبعا، أن البطل يسقط من خطة المؤلف. كلاَّ، إن هذه الاستقلالية والحرية للبطل تدخلان تماما في خطة المؤلف. إن هذه الخطة تبدو وكأنها تهيّئ البطل مقدما للحرية النسبية طبعا، وتدخله، بالشكل الذي هو عليه، ضمن الخطة الصارمة المحسوبة للعمل بعامة." [1] "
وهكذا، تظهر الشخصيات في الرواية البوليفونية باعتبارها وجهات نظر تجاه العالم، أو باعتبارها أقنعة رمزية وإيديولوجية. ومن ثم، فالشخصية الروائية، في هذا النوع من الرواية، تتسم بثلاث خاصيات، تتمثل في: حرية البطل النسبية، واستقلاليته، وعلاقة ذلك بصوته في ضوء خطة تعدد الأصوات. ولا بد أن تكون وجهة نظر الشخصية بمثابة موقف فكري وتقويم، يتخذه إنسان تجاه نفسه بالذات، وتجاه الواقع الذي يحيط به."فالمهم بالنسبة لدويستفسكي - يقول باختين - لا من يكونه بطله في العالم، بل بالدرجة الأولى ما الذي يكونه العالم بالنسبة للبطل، وما الذي يكونه هو بالنسبة لنفسه ذاتها." [2]
ومن جهة أخرى، يتحدث ميخائيل باختين عن الشخصية غير المنجزة، وهي الشخصية التي تعيش حالة اللاإنجاز واللااكتمال واللاحزم داخل المسار السردي الروائي. ويعني هذا أن الشخصية غير المنجزة هي تلك الشخصية القلقة التي تعيش المعاناة، وتواجه تعقد الحياة. وهي كذلك شخصية غير مستقرة؛ تلك الشخصية التي تعاني داخليا، وتعيش فضاء العتبة، أو فضاء الأزمات والمواقف والأفكار. وقد ترتكب هذه الشخصية جنحا
(1) - ميخائيل باختين: نفسه، ص:19 - 20.
(2) - ميخائيل باختين: نفسه، ص:67.