علاوة على ذلك، فقد ميز موكاروفسكي بين اللغة الشعرية واللغة العادية، إذ اعتبر لغة الشعر مالكة لخصوصيات تفردها، وتتمثل في خاصية الانزياح التي تعني انتهاك المعايير والقيم الجمالية السائدة والمعروفة، بشكل متعمد ومقصود، بغية استفزاز المتلقي وجذبه، ويمس هذا الانتهاك المستويات: الصوتية والإيقاعية والصرفية والتركيبية والدلالية. بمعنى أن الانزياح هو نوع من الغرابة أو التغريب والإفراد بمفهوم شلوفسكي، يستعمله الشاعر للخروج عن القواعد المعيارية المألوفة التي توجد في النثر أو اللغة العادية. وقد كان هذا المفهوم سائدا عند الشكلانيين الروس بشكل جلي وواضح. وقد عبر موكاروفسكي عن هذه المقارنة في مقاله القيم (اللغة المعيارية واللغة الشعرية) :"إن انتهاك قانون اللغة المعيارية - الانتهاك المنتظم- هو الذي يجعل الاستخدام الشعري للغة ممكنا، وبدون هذا الإمكان لن يوجد الشعر. وكلما كان قانون اللغة المعيارية أكثر ثباتا في لغة ما، كان انتهاكه أكثر تنوعا. ومن ثم، كثرت إمكانات الشعر في تلك اللغة، ومن ناحية أخرى كلما قل الوعي بهذا القانون، قلت إمكانات الانتهاك. ومن ثم، تقل إمكانات الشعر. [1] "
ويعني هذا أن اللغة الشعرية لاتبنى إلا بتحطيم الألفة، والانتقال إلى الغرابة الفنية والجمالية. وتتميز بعض عناصر هذه اللغة الشعرية باحتلال الصدارة أو المكانة الأمامية، عندما تكون عناصر مهيمنة وبارزة. وتتضاءل بعض العناصر البنيوية، حينما تختفي أو تكون في الزاوية الخلفية. وفي هذا الإطار، يقول موكاروفسكي:"قد تنشأ فكرة قد ترى أن الحد الأدنى للأمامية يتحقق من خلال التأثير الكمي. أي: أن يكون عدد من مكونات العمل"أمامية"، وربما تكون كلها أمامية. غير أن هذه الفكرة يجانبها الصواب. وإن كان ذلك من الناحية النظرية فقط، ما دام من المحال عمليا أن تحقق مثل هذه الأمامية التامة في كل المكونات. ذلك أن"أمامية"أحد المكونات لا بد أن يصحبها بالضرورة آلية أحد"
(1) - جان موكاروفسكي: (اللغة المعيارية واللغة الشعرية) ، ترجمة ألفت كمال الروبي، مجلة فصول، القاهرة، مصر، المجلد الخامس، العدد الأول، 1984 م، ص:38 - 39.