الأشياء المفروضة، كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمرًا، إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحةٍ من جهةٍ أخرى، أو جلب مفسدةِ كذلك .." [1] ."
لذا كان من اللازم على المجتهد في تحقيق مناطات الأحكام أن يراعي تحصيل أعلى المصالح ودرء أعظم المفاسد في كلِّ مسألةٍ على جهة الخصوص , وقد يستلزم ذلك الأخذ بمصلحةٍ جزئيةٍ في مقابل القياس.
قال ابن رشد [2] :"ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة، والعدل" [3] .
ومن الأمثلة على ذلك: جواز الاطلاع على العورات في التداوي , مع وجوب التحرُّز قدر الإمكان , وذلك لمصلحة الحفاظ على النفس, ودرء مفسدةٍ أعظم , وهي تلف العضو أو فوات الروح , وهو أخذٌ بمصلحةٍ جزئيةٍ في مقابل أصلٍ كليٍّ يمنع من الاطلاع على العورات [4] .
قال السرخسي:"المرأة عورةٌ مستورة, ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة ,فكان ذلك استحسانًا؛ لكونه أرفق بالناس" [5] .
وقال ابن عبد السلام:"ستر العورات والسوآت واجب، وهو من أفضل المروآت، وأجمل العادات، ولا سيما في النساء الأجنبيات، لكنه يجوز للضرورات والحاجات" [6] .
وهذا الاستثناء من الأصل جارٍ على طريقة الشرع في الترخيصات التي يتحقق فيها تحصيل أعلى المصالح ودرء أشدِّ المفاسد.
قال ابن عبدالسلام:"اعلم أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل"
(1) الموافقات: (5/ 193) .
(2) هو: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، الشهير بابن رشد الحفيد، تولى القضاء في قرطبة، وهو من أعيان المالكية، من مؤلفاته: فِصَل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال (ط) ، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد (ط) ، توفي سنة (595 هـ) .
ينظر في ترجمته: الديباج المذهب (284) ، شجرة النور الزكية (146) ، الأعلام للزركلي (5/ 318) .
(3) بداية المجتهد: (3/ 201)
(4) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (4/ 31) , الموافقات (5/ 195) ,تكملة المجموع للنووي (15/ 17) , تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (4/ 17) .
(5) المبسوط: (10/ 145) .
(6) قواعد الأحكام: (2/ 286) .