وقد ذهب إلى القول به, واعتباره دليلًا مستقلًا بذاته: الحنفية، والمالكية , والحنابلة [1] .
واستنكره الشافعية ,وشنَّعوا على القائلين به , باعتبار أنه عملٌ بلا دليل [2] .
وإذا تحرَّر معنى الاستحسان المُعتبَر عند القائلين به لم يَعُد استنكار الشافعية وتشنيعهم في محلِّه؛ لأن الكلَّ متفقٌ على العدول عن القياس بالنصِّ والإجماع والضرورة , كما إنهم متفقون على عدم شرعيَّة الاستحسان بمجرَّد الرأي والهوى.
وعليه فلا خلاف بين الأصوليين في حُجيِّة الاستحسان بالنصِّ، أو الإجماع، أو الضرورة؛ لأنه بالاتفاق يُترَك القياس بهذه الأمور الثلاثة , وإن اختلفوا في تسمية ذلك بالاستحسان.
قال الغزالي تعقيبًا على ماذكره من أمثلة الحنفية في العدول بالمسألة عن حُكْم نظائرها بدليل الكتاب والسُّنَّة:"وهذا مما لا يُنْكَر، وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ , وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته استحسانًا من بين سائر الأدلة" [3] .
وذكر الآمدي أن تفسير الاستحسان بالرجوع عن حُكْم دليلٍ خاصٍّ إلى مقابله بدليلٍ طارئٍ عليه أقوى منه , من نصٍّ أو إجماعٍ أو غيره , لا نزاع في صحة الاحتجاج به، وإن نوزع في تلقيبه بالاستحسان , فحاصل النزاع راجعٌ فيه إلى الإطلاقات اللفظية، ولا حاصل له [4] .
(1) ينظر: أصول السرخسي (2/ 201 - 202) , العدة (5/ 1604) ,روضة الناظر , شرح مختصر الروضة للطوفي (3/ 197) ,شرح تنقيح الفصول (355) , المحصول لابن العربي (131) , كشف الأسرار (4/ 2 - 3) , شرح الكوكب المنير (4/ 427) .
(2) ينظر: الرسالة (504) المستصفى (2/ 467) , المحصول (6/ 126) , الإحكام (4/ 190 - 191) , نهاية السول (4/ 399) , البحر المحيط للزركشي (6/ 87) , إرشاد الفحول (2/ 986) .
(3) ينظر: المستصفى (2/ 477) .
(4) ينظر: الإحكام (4/ 193 - 194) .