"الفهمَ الفهمَ فيما أُدلي إليك مما ليس في قرآنٍ ولا سُنَّة, ثم قِس الأمور عند ذلك, واعرف الأمثال والأشباه , ثم اعمد فيها إلى أحبِّها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق" [1] .
والمقايسة عبارةٌ عن إلحاق ماليس فيه نصٌّ بما فيه نصٌّ لجامعٍ مشتركٍ بينهما, وهذا الإلحاق تصرُّفٌ اجتهاديٌّ مبنيٌّ على أدلةٍ شرعيَّةٍ مُعتبَرةٍ ثبت معها -عند المجتهد- الاستواء بين الفرع والأصل في عِلَّة الحُكْم , وهو اجتهادٌ في موجِب الكتاب والسُنَّة والإجماع [2] .
والقياس تصرُّفٌ اجتهاديٌّ يدخل في قوله رضي الله عنه:"أجتهدُ رأيي", وقد نسبه إلى فعله , فدلَّ ذلك على أنه فعل المجتهد باعتباره مُظْهِرًا للحُكْم لا دليلًا مستقلًا بذاته.
-إن ثمرة القياس هي ثبوت مثل حُكْم الأصل في الفرع , وذلك لاشتراكهما في عِلَّة الحُكْم , وهذا يستلزم إثباتَ عِلَّة الحُكْم في الأصل أوَّلًا , ثم إثبات وجودها في الفرع ثانيًا , ولايتم ذلك إلا بالاجتهاد الذي يتبيَّن به القائسُ ثبوتَ الاشتراك في العِلَّة بين الأصل والفرع.
ولهذا نلحظ المهرة من الأصوليين كالبيضاوي , وابن السُّبكي , في تعريفهم للقياس"يعلِّلون الإثبات أو الحمل بما هو الدليل في الحقيقة , وهو المساواة في العِلَّة" [3] .
وبناءً على ذلك فإن من أدقِّ التعريفات للقياس أن يقال هو:"إثباتُ مثلِ حُكْمِ معلومٍ لمعلومٍ آخر لأجل اشتراكهما في عِلَّة الحُكْم عند المُثْبِت" [4] .
فقوله:"إثبات"يراد به المُشترَك بين العلم والظنِّ والاعتقاد؛ لأنَّا إذا
(1) سبق تخريجه: (229) .
(2) ينظر: التبصرة للشيرازي (426) .
(3) نبراس العقول: (1/ 31 - 32) .
(4) ينظر: شرح تنقيح الفصول (383) , نهاية السول (2/ 4) , الإبهاج (3/ 3) .