ومن نظر إلى أن إلغاء الفارق طريقٌ إلى حذف خصوصية الوصف الذي دلَّ ظاهر النصِّ على عِلِّيته، وإناطة الحُكْم بالمعنى الأعم، اعتبر إلغاء الفارق من أقسام تنقيح المناط.
ثالثًا: الذي يفرِّقون بين تنقيح المناط وإلغاء الفارق بناءً على تعيين العِلَّة وعدمه لا ينفون عن إلغاء الفارق تصوُّر المعنى الجامع على الإجمال.
قال الغزالي:"وهذا يدلُّك على أن هذا الطريق وإن كان راجعًا إلى التعرُّض للفارق فليس يخلو عن توسُّم المعنى الجامع على إجمالٍ من غير تفصيل" [1] .
ولذلك استدلَّ القرافي على حجية تنقيح المناط باعتباره اجتهادًا في إلغاء الفارق بين الأصل والفرع فقال:"الأصل في كلِّ مِثْلَيْن أن يكون حكمهما واحدًا، فإذا استوى صورتان ولم يوجد بينهما فارقٌ فالظن القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحُكْم. . . فوجب كونه دليلًا على عِلِّية المشترك على سبيل الإجمال وإن كنا لا نُعيِّنَه، بل نجزم بأن ما اشتركا فيه هو موجب العِلَّة" [2] .
وقال الزركشي:"فإنه -أي: نفي الفارق- لا يدل على أن الوصف المعين عِلَّةٌ، وإنما يدل على أن عِلَّة الأصل من حيث الجملة مُتَحَقِّقةٌ في الفرع من غير تعيين" [3] .
بل إن الغزالي يُعِتبر توسُّم المعنى المشترك على سبيل الإجمال ذلك شرطًا في جواز الإلحاق بإلغاء الفارق دون تحديد المناط أوتعيينه.
قال -رحمه الله-:"اعلم أن حذف تأثير الفارق وإن جوَّزنا الإلحاق به دون تنقيح المناط واستنباط العِلَّة وتعيينها، ولكن الحقّ فيه أن ذلك لا يُتجاسر عليه"
(1) أساس القياس: (69) .
(2) شرح تنقيح الفصول: (399) .
(3) البحر المحيط: (7/ 326) .