فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 436

وَتَابَ عَنْ فِعْلِ الْغَصْبِ الْمَذْكُورِ وَحَبَسَ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ عِنْدَهُ وَمَنَعَ صَاحِبَهُ عَنْهُ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى رَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ وَإِنْ بَقِيَتْ ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بِهِ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ فَحِينَئِذٍ تَتِمُّ تَوْبَتُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَكَذَا يُقَالُ فِي مَطْلِ الدَّيْنِ وَتَاخِيرِ الصَّلَاةِ فَقَدْ ظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الْحَجَّ كَالتَّوْبَةِ فِي تَكْفِيرِ الْكَبَائِرِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِحُقُوقِ الْعَبْدِ أَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحَقِّ أَحَدٍ أَيْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا وَاجِبٌ آخَرُ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ فَيُكَفِّرُ الْحَجُّ الذَّنْبَ وَيَبْقَى حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ فِي ذِمَّتِهِ إنْ كَانَ ذَنْبًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حَقُّ أَحَدِهِمَا كَمَا قَرَّرَنَا، وَإِلَّا فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْفَرِيدَ فَإِنَّ بِهِ يَتَّضِحُ الْمَرَامُ وَتَنْدَفِعُ الشُّبْهَةُ وَالْأَوْهَامُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى مَنْظُومَتِهِ فِي التَّوْحِيدِ فَقَالَ إنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ * لَا يَتَنَاوَلُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقَ عِبَادِهِ؛ لِأَنَّهَا فِي الذِّمَّةِ لَيْسَتْ ذَنْبًا، وَإِنَّمَا الذَّنْبُ الْمَطْلُ فِيهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إسْقَاطِ صَاحِبِهِ فَاَلَّذِي يَسْقُطُ إثْمُ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ ا هـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا رُكْنُهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ بِدُونِهِ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ مُفْطِرًا) عَدَّ فِي اللُّبَابِ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُقُوفِ الصَّوْمُ لِمَنْ قَوِيَ وَالْفِطْرُ لِلضَّعِيفِ. قَالَ وَقِيلَ يُكْرَهُ قَالَ شَارِحُهُ وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لِئَلَّا يُسِيءَ خُلُقَهُ فَيُوقِعَهُ فِي مَحْذُورٍ أَوْ مَحْظُورٍ، وَكَذَا صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُعْجِزُهُ عَنْ أَدَاءِ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَفْطَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ كَمَالِ الْقُوَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ أَحَدًا عَنْ صَوْمِهِ فَلَا وَجْهَ لِكَرَاهَتِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ وَكَذَا صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُعْجِزُهُ عَنْ أَدَاءِ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ الْأَغْلَبِ فَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْكَرْمَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلْحَاجِّ الصَّوْمُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ عِنْدَنَا إلَّا إذَا كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ فَحِينَئِذٍ تَرْكُهُ أَوْلَى وَفِي الْفَتْحِ إنْ كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ الْوُقُوفِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ ا هـ. (قَوْلُهُ وَأَنْ يَقِفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) عِبَارَةُ مَتْنِ التَّنْوِيرِ وَوَقَفَ الْإِمَامُ عَلَى نَاقَتِهِ قَالَ الْمَدَنِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْإِمَامِ هُنَا بَلْ يَنْبَغِي الرُّكُوبُ لِكُلِّ وَاقِفٍ فِي عَرَفَةَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِمَامَ لِأَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ فِي جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم كَانُوا يَقْتَدُونَ بِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم، وَلِأَنَّهُ مَتَى وَقَفَ رَاكِبًا يَكُونُ قَلْبُهُ فَارِغًا مِنْ جَانِبِ الدَّابَّةِ فَيَكُونُ قَلْبُهُ فِي الدُّعَاءِ أَسْكَنَ وَفِي الْمُنَاجَاةِ أَخْلَصَ، قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَفِيفُ ثُمَّ قَالَ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ نَقْلًا عَنْ مَنْسَكِ ابْنِ الْعَجَمِيِّ يُكْرَهُ الْوُقُوفُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ إلَّا فِي حَالِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مُسْتَثْنًى عَمَّا نَهَى عَنْهُ مِنْ اتِّخَاذِ ظُهُورِ الدَّوَابِّ مَسَاطِبَ يُجْلَسُ عَلَيْهَا ا هـ. وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الْعَجَمِيِّ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرْكَبٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقِفَ قَائِمًا فَإِذَا أَعْيَا جَلَسَ وَلَوْ وَقَفَ جَالِسًا جَازَ ا هـ. وَمَفْهُومُ عِبَارَةِ الْكَرْمَانِيِّ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ وَلَمْ يَرْكَبْ يَكُونُ مُسِيئًا لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ فَافْهَمْ وَإِلَّا فَقَاعِدًا وَهُوَ يَلِي الْقِيَامَ فِي الْفَضِيلَةِ، وَيُكْرَهُ الِاضْطِجَاعُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْمَنَاسِكِ ا هـ. (قَوْلُهُ وَقَدْ قِيلَ إذَا وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ صلى الله تعالى عليه وسلم أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ عَرَفَةَ وَإِذَا وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حِجَّةٍ فِي غَيْرِ يَوْمِ جُمُعَةٍ أَخْرَجَهُ رَزِينٌ وَعَنْ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم إذَا كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ * قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ سُئِلَ وَالِدِي عَنْ وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ هَلْ لَهَا مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهَا؟ فَأَجَابَ أَنَّ لَهَا مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ. الثَّالِثُ أَنَّ الْعَمَلَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْأَزْمِنَةِ كَمَا يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْأَمْكِنَةِ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِيهِ أَفْضَلَ. الرَّابِعُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَلَيْسَتْ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. الْخَامِسُ مُوَافَقَةُ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم فَإِنَّ وَقْفَتَهُ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا يُخْتَارُ لَهُ الْأَفْضَلُ. قَالَ وَالِدِي أَمَّا مِنْ حَيْثُ إسْقَاطُ الْفَرْضِ فَلَا مَزِيَّةَ لَهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَسَأَلَهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ فَقَالَ قَدْ جَاءَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي الْحَدِيثِ يَعْنِي الْمُتَقَدِّمَ؟ فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَفِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَهَبُ قَوْمًا لِقَوْمٍ ا هـ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ نُورِ الدِّينِ الزِّيَادِيِّ الشَّافِعِيِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت