وَعُرَنَةَ فِي الْحَرَمِ. (قَوْلُهُ حَامِدًا مُكَبِّرًا مُهَلِّلًا مُلَبِّيًا مُصَلِّيًا دَاعِيًا) أَيْ قِفْ حَامِدًا إلَى آخِرِهِ لِحَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَكَانَ عليه السلام يَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ عليه السلام دَعَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لِأُمَّتِهِ بِالْمَغْفِرَةِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ إلَّا فِي الدِّمَاءِ وَالْمَظَالِمِ ثُمَّ أَعَادَ الدُّعَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَأُجِيبَ حَتَّى الدِّمَاءِ وَالْمَظَالِمِ * خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِالْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فَإِنَّهُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ سَاقِطُ الِاحْتِجَاجِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحُفَّاظُ لَكِنَّ لَهُ شَوَاهِدَ كَثِيرَةً فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ فُلَانٌ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَرَفَةَ فَجَعَلَ الْفَتَى يُلَاحِظُ النِّسَاءَ وَيَنْظُرُ إلَيْهِنَّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ابْنَ أَخِي إنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ غُفِرَ لَهُ * وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَرْفُوعًا مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ * وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ * وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مَرْفُوعًا مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إلَّا مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ فَإِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ * فَإِنَّهَا تَقْتَضِي تَكْفِيرَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَكِنْ ذَكَرَ الْأَكْمَلُ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ الذُّنُوبَ السَّالِفَةَ تُحْبَطُ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، وَتَتَنَاوَلُ حُقُوقَ اللَّهِ وَحُقُوقَ الْعِبَادِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَرْبِيِّ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ لَا يُطَالَبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى لَوْ كَانَ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا كَانَ الْإِسْلَامُ كَافِيًا فِي تَحْصِيلِ مُرَادِهِ وَلَكِنْ ذَكَرَ صلى الله عليه وسلم الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ تَاكِيدًا فِي بِشَارَتِهِ وَتَرْغِيبًا فِي مُبَايَعَتِهِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يُكَفِّرَانِ الْمَظَالِمَ، وَلَا يُقْطَعُ فِيهِمَا بِمَحْوِ الْكَبَائِرِ، وَإِنَّمَا يُكَفِّرَانِ الصَّغَائِرَ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَالْكَبَائِرُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ أَيْضًا كَالْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَحِينَئِذٍ لَا يُشَكُّ أَنَّ ذِكْرَهُمَا كَانَ لِلتَّاكِيدِ ا هـ. وَهَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الطِّيبِيِّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ إنَّ الشَّارِحِينَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ، وَأَنَّ الْحَجَّ لَا يُقْطَعُ فِيهِ بِتَكْفِيرِ الْكَبَائِرِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّكْفِيرِ لِلْكُلِّ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَكَذَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامَاتِ وَالزَّكَاةِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ إثْمَ مَطْلِ الدَّيْنِ وَتَاخِيرِهِ يَسْقُطُ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إذَا مَطَلَ صَارَ آثِمًا الْآنَ، وَكَذَا إثْمُ تَاخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوْقَاتِهَا يَرْتَفِعُ بِالْحَجِّ لَا الْقَضَاءُ ثُمَّ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ يُطَالَبُ بِالْقَضَاءِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ آثِمًا عَلَى الْقَوْلِ بِفَوْرِيَّتِهِ، وَكَذَا الْبَقِيَّةُ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِمُقْتَضَى عُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَجِّ كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مُلَبِّيًا إلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ يَقْطَعُهَا إذَا وَقَفَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْوُقُوفَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَرْكَانِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْحَجُّ عَرَفَةَ * وَشَرْطُهُ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ. الثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِهِ كَمَا سَيَاتِي بَيَانُهُ وَلَيْسَ الْقِيَامُ مِنْ شَرْطِهِ وَلَا مِنْ وَاجِبَاتِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ جَالِسًا جَازَ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْكَيْنُونَةُ فِيهِ، وَكَذَا النِّيَّةُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ وَوَاجِبُهُ الِامْتِدَادُ إلَى الْغُرُوبِ وَأَمَّا سُنَنُهُ فَالِاغْتِسَالُ لِلْوُقُوفِ وَالْخُطْبَتَانِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَتَعْجِيلُ الْوُقُوفِ عَقِيبَهُمَا، وَأَنْ يَكُونَ مُفْطِرًا لِكَوْنِهِ أَعْوَنَ عَلَى الدُّعَاءِ وَأَنْ يَكُونَ مُتَوَضِّئًا لِكَوْنِهِ أَكْمَلَ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَأَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ بِالْقُرْبِ مِنْهُ وَأَنْ يَكُونَ حَاضِرَ الْقَلْبِ فَارِغًا مِنْ الْأُمُورِ الشَّاغِلَةِ مِنْ الدُّعَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ فِي مَوْقِفِهِ طَرِيقَ الْقَوَافِلِ وَغَيْرِهِمْ لِئَلَّا يَنْزَعِجَ بِهِمْ، وَأَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ السُّودِ مَوْقِفَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ يَقِفُ بِقُرْبٍ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ عِنْدَ الْعَوَّام مِنْ الِاعْتِنَاءِ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ الَّذِي هُوَ بِوَسَطِ عَرَفَاتٍ، وَتَرْجِيحُهُمْ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ وَمُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي صُعُودِ هَذَا الْجَبَلِ فَضِيلَةً تَخْتَصُّ بِهِ بَلْ لَهُ حُكْمُ سَائِرِ أَرَاضِي عَرَفَاتٍ غَيْرَ مَوْقِفِ