فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 436

لسانه ويده، والمؤمن من أَمِنَهُ الناس على دمائهم وأموالهم)، وهذا بيان منه لكمال مسمي هذا الاسم، كما قال: (ليس المسكين بهذا الطواف) إلخ، وقد يشبه هذا قوله: (ما تعُدُّون المفلس فيكم؟) قالوا: من ليس له درهم ولا دينار. قال: (ليس هذا المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم يَبْقَ له حسنة أُخِذَ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) . وقال: (ما تعدون الرَّقُوب فيكم؟) قالوا: من لا يُولد له. قال: (الرقوب من لم يُقِدِّم من ولده شيئًا) ، ومثله قوله: (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) .

لكن في هذه الأحاديث مقصود وبيان ما هو أحق بأسماء المدح والذم مما يظنونه. فإن الإفلاس حاجة وذلك مكروه، فبين أن حقيقة الحاجة إنما تكون يوم القيامة، وكذلك عدم الولد تكرهه النفوس لعدم الولد النافع، فبين أن الانتفاع بالولد حقيقة إنما يكون في الآخرة لمن/قَدَّم أولاده بين يديه، وكذلك الشدة والقوة محبوبة، فبين أن قوة النفوس أحق بالمدح من قوة البدن، وهو أن يملك نفسه عند الغضب، كما قيل لبعض سادات العرب: ما بال عبيدكم أَصْبَر منكم عند الحرب وعلى الأعمال؟ قال: هم أصبر أجسادًا، ونحن أصبر نفوسًا.

وأما قوله: في اسم المسلمين فهو من جنس قوله: في المسلم والمؤمن والمهاجر والمجاهد، وهذا مطابق لما تقدم من أن الشارع لا ينفي مسمي اسْمٍ شرعي إلا لانتفاء كماله الواجب؛ فإن هَجْرَ ما نهى الله عنه واجب، وسلامة المسلمين من عدوان الإنسان بلسانه ويده واجب، والمؤمن على دمائهم وأموالهم لا يكون من أمنه الناس إلا إذا كان أمينًا والأمانة واجبة، والمسكين الذي لا يسأل ولا يعرف هو أحق بالإعطاء ممن أظهر حاجته وسؤاله، وعطاؤه واجب، وتخصيص السائل بالعطاء دون هذا لا يجوز، بل تخصيص الذي لا يسأل أولى وأوجب وأحب.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية؛ وإذا اسْتُنْفِرتم فانفروا) ، وقال: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) وكلاهما حق. فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه، وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب، فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب، وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها، فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام، ودخلت العرب في الإسلام/صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام، فقال: (لا هجرة بعد الفتح) . وكون الأرض دار كفر ودار إيمان أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها، بل هي صفة عارضة بحسب سكانها، فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت، فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم.

وكذلك المسجد إذا تبدل بخمارة، أو صار دار فسق، أو دار ظلم، أو كنيسة يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه، وكذلك دار الخمر والفسوق، ونحوها، إذا جعلت مسجدًا يعبد الله فيه ـ جل وعز ـ كان بحسب ذلك، وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقًا والكافر يصير مؤمنًا، أو المؤمن يصير كافرًا، أو نحو ذلك، كُلُّ بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال، وقد قال تعالى: *وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً * الآية [النحل: 112] ، نزلت في مكة لما كانت دار كفر، وهي ما زالت في نفسها خير أرض الله وأحب أرض الله إليه، وإنما أراد سكانها. فقد روي الترمذي مرفوعًا، أنه قال لمكة وهو واقف بالحَزْوَرَةِ: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت) . وفي رواية: (خير أرض الله وأحب أرض الله إلى) فبين أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله، وكان مقامه بالمدينة ومقام/من معه من المؤمنين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت