فما هي النتيجة؟ هي مظهر من مظاهر ربوبية الرب الحقيقي الدالة على كبريائه وعظمته وعلوه فوق خلقه.
قال سبحانه وتعالى: {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول أمين، وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين ... إلى قوله تعالى .. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} الدخان.
فيا الله ما أعظمك وما أجل حكمتك.
ب - الحكمة الثانية: قال تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا} الملك. فإن الله خلق عباده للابتلاء والامتحان، وأشد الناس بلاء وامتحانا هم المؤمنون. قال صلى الله عليه وسلم: (( يبتلى الرجل على قدر دينه ) )رواه الترمذي. فمن ابتلاء الله المؤمنين أن يمتحنهم بغلبة الكافرين وبظهورهم عليهم، ليعلم الرب من آمن به حق اليقين، وممن في قلبه شك ودخن. وهذا من تمام حكمته وعظمته، فإن الرب لا يرضى من العبد إلا أن يخلص له فلا يكون في قلب العبد إلا الله. وعلى هذا اقرأ قصة قارون وعلوه في الأرض في سورة القصص، وكيف كان كثرة ماله فتنة للناس، وثبت فيها أهل العلم بالله تعالى ثم عقب عليها بقوله: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} .
جـ- الحكمة الثالثة: ومن ابتلاء الله للمؤمنين بعلو الكفر حينا عليهم، ذلك ليرى من يطيعه بقتالهم ومنابذتهم ثقة بوعد الله تعالى، وممن يستكين للكفر ويذل له، كما حدث للصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في حركة الردة، فكان الصحابة هم أهل الإيمان واليقين وهم أحق به وأهله.
فارتفاع الكفر حينا هو فرصة ذهبية للمؤمن ليظهر صدق دعواه في تعلقه بعبودية الرب الحق قال تعالى: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} محمد، وقال الله تعالى لنبيه في الحديث القدسي: (( إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ... إلى قوله ... استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك ) )رواه مسلم.
يكثر الحديث الشيق في القرآن الكريم عن سنة إهلاك الله تعالى الكافرين، وهو حديث يرطب قلب المؤمن في صحراء الغربة القاحلة، فالمؤمن في زمن الضياع، وزمن قلة الإخوان والخلان، ونضوب القيم والفضائل، واستعلاء الباطل وغطرسته، وتبجّحه أنّه صاحب الأمر والشأن، وأنه لا رادّ لأمره، ولا فناء لملكه، أقول في هذا الزمن يكون الحديث القرآني حادي حق، وصادح أمل للنفوس العطشى، المرتقبة أمر السماء العلوي بحصول القضاء الإلهي العاجل بين المستضعفين وأعدائهم.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المعالجات النفسية للمستضعفين في غير موطن فيه، ومنها قوله عن لوط عليه السلام لحظة استعلاء فجور قومه عليه ومراودتهم لضيوفه قال سبحانه وتعالى: {ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب، وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات، قال هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد، قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد، قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، قالوا يا لوط إنّا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} هود.
فتمعن أخي في الله إلى عبارات لوط عليه السلام وما تحمل من آلام نفسية، وما تضمر من مخبآت تبين عن هذه الغربة التي يعيشها نبي الله لوط عليه السلام.
انظر إلى قوله سبحانه وتعالى عنه: {وضاق بهم ذرعا} .
نعم لقد ضاقت نفسه، وذهب انبساطها، والعرب تقول ضاق بالأمر ذرعا: أي لم يطقه ولم يقو عليه.