فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 436

الأمر الأول: هو الذي يغير صور الأشياء في أعين النظارة دون تغيير لحقيقتها لأنه لا يستطيع أن يخلق إلا الله، فالعصا تتحول إلى أفعى في أعين الناس لا في حقيقتها. قال تعالى: {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين، قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} الأعراف، وقال تعالى: {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} طه.

الأمر الثاني: هو الذي يغير الحقائق في أذهان الناس عن طريق الخداع البياني والقدرة اللفظية، قال صلى الله عليه وسلم: (( إن من البيان لسحرا ) )حديث صحيح، وقال تعالى: {وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدِّقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} الصف، والآية تدل على أن الناس كانوا يطلقون على البيان البليغ سحرا.

وكلا الأمرين يجتمعان في:

(1) تزوير الحقائق بتمويهها في البصر أو في البصيرة.

(2) لا يقع السحر على المسحور إلا باستخدام الإرهاب،"فاسترهبوهم".

(3) اكتشاف الحقيقة تبطل السحر، قال تعالى: {ولو أنزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} الأنعام، والآية تدل على أن المرء إذا أبصر الحق بطريق صحيح (كاللمس بالأيدي) لا يعذر بسحر الساحر له، بل هو كذاب مفتري.

والآن كيف صور القرآن صراع الحق والباطل (السحر) :

1 -قال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون} . فالحق قذيفة، ولا يكون إلا كذلك، لأن فيه من عوامل القوة الذاتية التي أودعها الله فيه ما يجعله كذلك. وكذلك قوله تعالى: {وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى} طه.

2 -قال تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} الإسراء. ففي هذه الآية بيّن الرحمن سبحانه وتعالى حال الحق حين يظهر أمره بعبارة"جاء الحق"وهي عبارة تلقي في النفس ظلال الحركة الحقيقية التي لا تحمل جهدا عظيما، ولا تكلف عملا شاقا، بل هي مسيرة طبيعية"جاء"على الرغم أن الآية الأولى بينت أن حركة الحق هي حركة (قذيفة) ، وهي تجدّ مسرعة في حركتها لتزيل الباطل وتدمره. وليس بين الآيتين تعارض، بل كل حرف في الأولى يشهد لكل حرف في الثانية ويشبهه، وهذا معنى قوله تعالى: {الله نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} زمر. لكن الباطل في الآيتين (زاهق، زهوقًا) : وهي تعني خروج النفس والروح، واضمحلال أمره وخضوعه لغيره، وهي لفظة تثير في النفس حقيقة هذا الباطل، وأنه سريع الزوال لا روح له ولا دوام، قال ابن القيم: واعلم أن الشر بالذات هو عدم ضروريات الشيء وعدم منافعه مثل عدم الحياة وعدم البصر. ا. هـ، فهذا هو الباطل إذ يعني غياب الحق، فإذا جاء الحق (على صورة قذيفة) فإن الشرَّ والباطل لا بد أن يزول كما قال تعالى عن عصى موسى لمّا ظهرت لحبال السحرة: {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} . وهذا كله نراه في الحس والبصر، فإن الظلمة تعني عدم وجود النور، فإذا غلب على الناس الظلمة واستشرى أمرها فهو واقع بحسب غياب النور والهدى.

ومما يخدمنا في هذا الباب الأمور التالية:

أن العلاقة بين الحقّ والباطل وبين الشرِّ والخير، وبين السحر وأمر الله، وبين النور والظلمة، هي علاقة صراع، لا يقع الواحد إلا ويغيب الآخر، ولا يمكن أن يرضى أحدهما بوجود الآخر، ولو أراد أهل الحق التماس الإذن بوجودهم من الباطل - ولو أدى هذا الالتماس إلى إفراغ الحق من طبيعته (أي بكونه قذيفة) - فإن الباطل لن يأذن ولن يسمح، وصورة الإذن الوحيدة هي: {تلقف ما يأفكون} ، و {نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} و {جاء الحق وزهق الباطل} ، أي بأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت