فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 436

ولابد مع الفرار إلى الله من العمل الجاد المتقن في محاولة التغيير، وليس في الاستكانة ولا الهروب بل لا بد من الوقوف في وجه الباطل، قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * (18) سورة الأنبياء.

و (بل) للإضراب عن الحديث في موضوع اللهو؛ والعدول عنه إلى الحديث في الواقع المقرر الذي تجري به السنة ويقتضيه الناموس. وهو غلبة الحق وزهوق الباطل.

والتعبير يرسم هذه السنة في صورة حسية حية متحركة. فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة. تقذف به على الباطل، فيشق دماغه! فإذا هو زاهق هالك ذاهب. .

هذه هي السنة المقررة، فالحق أصيل في طبيعة الكون، عميق في تكوين الوجود. والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلا، طاريء لا أصالة فيه، ولا سلطان له، يطارده الله، ويقذف عليه بالحق فيدمغه. ولا بقاء لشيء يطارده الله؛ ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه!

ولقد يخيل للناس أحيانا أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير. وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشا كأنه غالب، ويبدو فيها الحق منزويا كأنه مغلوب. وإن هي إلا فترة من الزمان، يمد الله فيها ما يشاء، للفتنة والابتلاء. ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض؛ وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء.

والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده؛ وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه؛ وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه. . فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حينا من الدهر عرفوا أنها الفتنة؛ وأدركوا أنه الابتلاء؛ وأحسوا أن ربهم يربيهم، لأن فيهم ضعفا أو نقصا؛ وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر، وأن يجعلهم ستار القدرة، فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف. . وكلما سارعوا إلى العلاج قصر الله عليهم فترة الابتلاء، وحقق على أيديهم ما يشاء. أما العاقبة فهي مقررة: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) والله يفعل ما يريد. (الظلال)

صرخة الحق قذف الباطل بدماغه فإذا هو زائل، وللكفار ودعاته الويل مما يصفونه من صفات شنيعة لأهل الحق ودعاتُه ... إنها المعركة المحتدمة بين الحق والباطل، المعركة بين الإسلام والشرك، المعركة بين العدل والظلم، المعركة بين النور والظلام، المعركة بين حملة لواء الدعوة وبين حملة لواء الجريمة المنظمة، وأنى لهذه المعركة الفتور وأنى لأصحاب الباطل نومهم الهاديء، فيسقض الحق بثباته مضاجعهم ويقلق نومهم ويشوش فكرهم. ويقتل أملهم في الوصول إلى غايتهم، إنها الإزالة عن الوجود لا محالة بعد ان يميز الله الخبيث من الطيب.

إن الله سبحانه وتعالى وعد أولياءه بالنصر والتمكين ان هم نصروه والتزموا أوامره واجتنبوا نواهيه، وقبل كل ذلك وعدَ الله نُصْرَة الحق، نُصْرَة الدين، نُصْرَة التوحيد، نُصْرَة الإخلاص، نُصْرَة التقوى على كل من جابه هذه السبل النيرة التي أمر الله بها من فوق سبع سماوات، وعد بظهورها على الغير، وعد بتطبيقها على أرض الواقع، ولكن طول الطريق قد يدخل الشكوك على نفوس الضعفاء فيحدثون أنفسهم بذلك وما هي في الحقيقة إلا وسوسة الشيطان لهم حتى يضلوا الطريق، انه انتفاخ الباطل وصورته أمام الناس انه الزبد الذي يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، انه الطريق الشاق أمام حملة الحق فعليهم توطين أنفسهم حتى يمكن الله لهم، انه الباطل بجولاته التي يوهم فيها الناس ان الحق لا وجود له لقلة الناصرين ووحشة الطريق، واختفاء الصوت إلا من بعيد، من هنا تبدأ المفاصلة، من هنا يبدأ المحك، الذي يميز رجال الحق القليلين الغيورين المتربصين المراقبين لأنفسهم كل لحظة لعل الله ان يمن عليهم بالتمكين وهم في ساحة دعاة الباطل في جبهة مقابلة متمترسين خلف الآلاف الذين حمّلوهم الأفكار الباطلة وإلا كيف بنا نشاهد الآلاف المؤلفة تخرج كبوق ناعق في صدى الحق تنادي بنداء الاستعمار هيا لاستقلالنا هيا لانفصالنا عن سوانا، لان أرضنا ودولتنا وشعارنا ملكا لنا، وفي هذا المجال يقول سيد قطب في الظلال:"ولقد يخيل للناس أحيانا ان واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتعشا كأنه غالب، ويبدو فيها الحق منزويا كأنه مغلوب. وان هي إلا فترة من الزمان، يمد الله فيها ما يشاء، للفتنة والابتلاء. ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض؛ وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء ...".

هكذا هي حقيقة المؤمنين فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حينا من الدهر عرفوا أنها الفتنة وأدركوا وأيقنوا انه الابتلاء لان فيهم ضعفا أو نقصا، وهو يريد ان يعدهم لاستقبال الحق المنتصر، وكلما سارعوا في العلاج قصر الله في الابتلاء، فيندفع الباطل، والله يفعل ما يريد.

نعم إنها الجولة الأخيرة للباطل، لأنها سنة الكون كثرة الباطل وأهله، وقلة الحق ونصيره، وطول طريق العلاج ولكن المحك هو في طريقة العلاج فحملة الحق يصلون ليلهم بنهارهم وهم يفكرون

في طرق العلاج حتى يقصر الله في فتنتهم وابتلائهم، ولكن أهل الباطل يدركون هذه الحقيقة فيصلون ليلهم بنهارهم في الجهة المقابلة وهي كل ما من شانه ان يعطل النصر وان يقصر في علاج الابتلاء.

ان الحق لا محالة ظاهر، وان الباطل لا محالة زائل، هكذا وعد الله لأوليائه، وهكذا هي سنة الكون فستأتي الجولة التي ينتهي فيها حكم الشيطان، ويبرز فيها حكم الله، تطبيق العدل، نشر الدين، بث الحياة في الناس كما أراد الله لهم، وسينتهي الباطل نهاية يسجلها التاريخ لا عودة لها البتة، لان ضربته على دماغه سوف تشل تفكيره في أذى حملة الحق فلا يعاوده، وان عاوده فلا يأتي بجني ولا بخير ولا بمساهمة ولا بنتيجة، إنها النهاية الشنيعة للباطل وأهله الذي يقض مضجع كل من تسول له نفسه ان يقف في طريق الحق وأهله، وان تأتيه الصحوة بان الحق لا محالة ظاهر وان جولته سوف تطول بإذن الله كل جلاوزة الظلم وترمي بهم سبعين خريفا في قعر جهنم فهم حصبها وسيظهر المؤمنون بدعوتهم الحق، وينشرون الدين والحياة في البشرية ويعم الخير الذي وعد الله به.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت