فِي مُبَايَعَةٍ وَلَا فِي غَيْرِهَا وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ هُوَ ذَلِكَ مَعَ عِصْمَتِهِ وَانْتِفَاءِ الرِّيبَةِ فِي حَقِّهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَدَّ جَوَازُهُ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: إنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَوْ فِي غَيْرِ عَوْرَتِهَا كَالْوَجْهِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ النَّظَرِ حَيْثُ لَا شَهْوَةَ وَلَا خَوْفَ فِتْنَةٍ فَتَحْرِيمُ الْمَسِّ آكَدُ مِنْ تَحْرِيمِ النَّظَرِ، وَمَحَلُّ التَّحْرِيمِ مَا إذَا لَمْ تَدْعُ لِذَلِكَ ضَرُورَةٌ فَإِنْ كَانَ ضَرُورَةً كَتَطْبِيبٍ وَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَقَلْعِ ضِرْسٍ وَكَحْلِ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُوجَدُ امْرَأَةٌ تَفْعَلُهُ جَازَ لِلرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِعْلُهُ لِلضَّرُورَةِ.
أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْبَيْعَةِ:
6 -مُبَايَعَةُ الْمُسْلِمِينَ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا هِيَ مُبَايَعَةٌ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَك إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ * فَيَدُهُ سُبْحَانَهُ فِي الثَّوَابِ فَوْقَ أَيْدِيهمْ فِي الْوَفَاءِ، وَيَدُهُ فِي الْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فِي الطَّاعَةِ. وَالْمُرَادُ بِالْمُبَايَعَةِ فِي الْآيَةِ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ بَايَعَهُ فِيهَا قَوْلَهُ جَلَّ شَانُهُ: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَك تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَبَايَعْنَاهُ وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَهِيَ سَمُرَةٌ. وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ * وَفِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى بَايَعَ الْمُسْلِمُونَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ الْحَرْبُ. فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: بَايَعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَاتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إلَى اللَّهِ، إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ. فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ * 7 - أَمَّا بَيْعَةُ النِّسَاءِ فَقَدْ بُيِّنَتْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَك عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ جَاءَهُ نِسَاءُ أَهْلِهَا يُبَايِعْنَهُ فَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ: أَنْ لَا يُشْرِكْنَ. . إلَخْ. فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَتْ الْمُؤْمِنَاتُ إذَا هَاجَرْنَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَك عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ * إلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ، قَالَ لَهُنَّ: انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ وَلَا وَاَللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلَامِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاَللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلَامًا. * (أَيْ دُونَ مُصَافَحَةٍ) . وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ جَمَعَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ فِي بَيْتٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ، فَسَلَّمَ، فَرَدَدْنَ عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَيْكُنَّ: أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا فَقُلْنَ: نَعَمْ. فَمَدَّ يَدَهُ مِنْ خَارِجِ الْبَيْتِ وَمَدَدْنَا أَيْدِيَنَا مِنْ دَاخِلِ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ *. وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا بَايَعَ النِّسَاءَ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ، ثُمَّ أَمَرَ النِّسَاءَ فَغَمَسْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِيهِ *. فَبَيْعَةُ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ بِالْمُصَافَحَةِ مَعَ الْكَلَامِ. أَمَّا بَيْعَةُ نِسَائِهِمْ لَهُ صلى الله عليه وسلم فَكَانَتْ بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ مُصَافَحَةٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، إنَّ بَيْعَةَ النِّسَاءِ بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ كَفٍّ، وَبَيْعَةَ الرِّجَالِ بِأَخْذِ الْكَفِّ مَعَ الْكَلَامِ.
وَحِينَ تَخَوَّفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: اُبْسُطْ يَدَك يَا أَبَا بَكْرٍ، فَبَسَطَهَا، فَبَايَعَهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَهُ الْأَنْصَارُ.