وقوله تعالى: ذلكم حكم الله يحكم بينكم* أي في الصلح واستثناء النساء منه والأمر بهذا كله هو حكم الله يحكم به بين خلقه والله عليم حكيم* أي عليم بما يصلح عباده حكيم في ذلك، ثم قال تعالى: وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا* قال مجاهد وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد إذا فرت إليهم امرأة ولم يدفعوا إلى زوجها شيئًا، فإذا جاءت منهم امرأة لا يدفع إلى زوجها شيء حتى يدفع إلى زوج الذاهبة إليهم مثل نفقته عليها، وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن الزهري قال: أقر المؤمنون بحكم الله فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله تعالى للمؤمنين به وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا، واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون*.
فلو أنها ذهبت بعد هذه الاَية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين، رد المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليهامن العقب الذي بأيديهم الذي أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم، التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرن، ثم ردوا إلى المشركين فضلًا إن كان بقي لهم، والعقب ما كان بقي من صداق نساء الكفار حين آمن وهاجرن، وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الاَية، يعني إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار أمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يعطى مثل ما أنفق من الغنيمة، وهكذا قال مجاهد فعاقبتم* أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا* يعني مهر مثلها. وهكذا قال مسروق وإبراهيم وقتادة ومقاتل والضحاك وسفيان بن حسين والزهري أيضًا. وهذا لا ينافي الأول لأنه إن أمكن الأول فهو الأولى وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار، وهذا أوسع وهو اختيار ابن جرير، ولله الحمد والمنة.
** يَأَيّهَا النّبِيّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىَ أَن لاّ يُشْرِكْنَ بِاللّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنّ وَلاَ يَاتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنّ وَأَرْجُلِهِنّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنّ اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ
قال البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال: أخبرني عروة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الاَية يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ـ إلى قوله ـ غفور رحيم*
قال عروة: قالت عائشة فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله: «قد بايعتك» كلامًا، ولا والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، وما يبايعهن إلا بقوله: «قد بايعتك على ذلك» هذا لفظ البخاري.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئًا الاَية وقال «فيما استطعتن وأطقتن» قلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال «إني لا أصافح النساء إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة» هذا إسناد صحيح وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة والنسائي أيضًا من حديث الثوري ومالك بن أنس، كلهم عن محمد بن المنكدر عن أميمة به، وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر، وقد رواه أحمد أيضًا من حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن أميمة به وزاد: ولم يصافح منا امرأة، وكذا رواه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر به.
ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر الرازي عن محمد بن المنكدر، حدثتني أميمة بنت رقيقة وكانت أخت خديجة خالة فاطمة من فيها إلى فيّ فذكره، وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني سليط بن أيوب بن الحكم بن سليم عن أمه سلمى بنت قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى