امْتَنَعَ فَلِصَاحِبِ الْكَلْبِ قَهْرُهُ وَمُقَاتَلَتُهُ لِمَا سَبَقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ غَائِبًا فَيَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ طَعَامِهِ وَيَغْرَمُ لَهُ بَدَلَهُ، وَفِي وُجُوبِ الْأَكْلِ وَالْقَدْرِ الْمَاكُولِ مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ، وَالْوَلِيُّ غَائِبٌ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَهُوَ فِي مَالِهِمَا كَكَامِلِ الْحَالِ فِي مَالِهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَهَذِهِ إحْدَى الصُّوَرِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا بَيْعُ مَالِ الصَّبِيِّ نَسِيئَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ وَهُوَ غَائِبٌ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (أَصَحُّهَا) يَجِبُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، (وَالثَّانِي) يَجِبُ أَكْلِ الطَّعَامِ، وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ، (وَالثَّالِثُ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، وَأَشَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ مَاخُوذٌ مِنْ الْخِلَافِ فِي اجْتِمَاعِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْآدَمِيِّ، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ حَاضِرًا فَإِنْ بَذَلَهُ بِلَا عِوَضٍ أَوْ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ بِزِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، وَمَعَهُ ثَمَنُهُ، أَوْ رَضِيَ بِذِمَّتِهِ، لَزِمَهُ الْقَبُولُ، وَلَمْ يَجُزْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ، فَالْمَذْهَبُ وَاَلَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالطَّبَرِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ الشِّرَاءُ فَهُوَ كَمَا إذَا لَمْ يَبْذُلْهُ أَصْلًا، وَإِذَا لَمْ يَبْذُلْهُ لَمْ يُقَاتِلْهُ عَلَيْهِ الْمُضْطَرُّ، إنْ خَافَ مِنْ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ خَافَ إهْلَاكَ الْمَالِكِ فِي الْمُقَاتَلَةِ، بَلْ يَعْدِلُ إلَى الْمَيْتَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ لِضَعْفِ الْمَالِكِ وَسُهُولَةِ دَفْعِهِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِيمَا إذَا كَانَ غَائِبًا. هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: يَشْتَرِيهِ بِالثَّمَنِ الْغَالِي وَلَا يَاكُلُ الْمَيْتَةَ، ثُمَّ يَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى؟ أَمْ ثَمَنُ الْمِثْلِ؟ قَالَ: وَإِذَا لَمْ يَبْذُلْ أَصْلًا وَقُلْنَا: طَعَامُ الْغَيْرِ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَهُ وَيَاخُذَهُ قَهْرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (التَّاسِعَةُ) لَوْ اُضْطُرَّ مُحْرِمٌ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَيْدًا فَلَهُ ذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ، وَيَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَإِنْ وَجَدَ صَيْدًا وَمَيْتَةً، فَلَهُ طَرِيقَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقِينَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا ذَبَحَ صَيْدًا هَلْ يَصِيرُ مَيْتَةً؟ فَيَحْرُمَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ؟ أَمْ لَا يَكُونُ مَيْتَةً فَلَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ؟ (وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ يَصِيرُ مَيْتَةً (فَإِنْ قُلْنَا) يَصِيرُ مَيْتَةً أَكَلَ الْمَيْتَةَ وَإِلَّا فَالصَّيْدُ وَالطَّرِيقُ (الثَّانِي) إنْ قُلْنَا: يَصِيرُ مَيْتَةً أَكَلَ الْمَيْتَةَ، وَإِلَّا فَأَيَّهُمَا يَاكُلُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أَوْ أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) يَلْزَمُهُ أَنْ يَاكُلَ الْمَيْتَةَ (وَالثَّانِي) يَلْزَمَهُ أَكْلُ الصَّيْدِ (وَالثَّالِثُ) يَتَخَيَّرُ، وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالصَّحِيحُ عَلَى الْجُمْلَةِ وُجُوبُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ. وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ لَحْمَ صَيْدٍ مَذْبُوحٍ وَمَيْتَةً، فَإِنْ كَانَ ذَابِحُهُ حَلَالًا ذَبَحَهُ لِنَفْسِهِ فَهَذَا مُضْطَرٌّ وَجَدَ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ، وَإِنْ ذَبَحَهُ هَذَا الْمُحْرِمُ. قَبْلَ إحْرَامِهِ فَهُوَ وَاجِدُ طَعَامِ حَلَالٍ لِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ مُضْطَرًّا، فَإِنْ ذَبَحَهُ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ وَقُلْنَا: هُوَ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا (وَالثَّانِي) يَتَعَيَّنُ لَحْمُ الصَّيْدِ (وَالثَّالِثُ) الْمَيْتَةُ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: إنْ قُلْنَا: إنَّهُ مَيْتَةٌ أَكَلَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَغَيْرُ الصَّيْدِ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِمَيْتَةٍ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يَاكُلُهُ (وَالثَّانِي) يَاكُلُ الْمَيْتَةَ. وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَطَعَامَ الْغَيْرِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَوْ أَقْوَالٍ، سَوَاءٌ جَعَلْنَاهُ مَيْتَةً أَمْ لَا (أَحَدُهَا) يَتَعَيَّنُ الصَّيْدُ (وَالثَّانِي) الطَّعَامُ (وَالثَّالِثُ) يَتَخَيَّرُ هَذَا إذَا كَانَ مَالِكُ الطَّعَامِ غَائِبًا، فَإِنْ حَضَرَ وَمَنَعَهُ تَعَيَّنَ الصَّيْدُ، وَإِنْ بَذَلَهُ تَعَيَّنَ الطَّعَامُ صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا وَطَعَامَ الْغَيْرِ، فَسَبْعَةُ أَوْجُهٍ، ذَكَرَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ (أَصَحُّهَا) يَتَعَيَّنُ الْمَيْتَةُ (وَالثَّانِي) الصَّيْدُ (وَالثَّالِثُ) الطَّعَامُ (وَالرَّابِعُ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ (وَالْخَامِسُ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالْمَيْتَةِ (وَالسَّادِسُ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الصَّيْدِ وَالْمَيْتَةِ (وَالسَّابِعُ) بَيْنَ الصَّيْدِ وَالطَّعَامِ. (فَرْعٌ) إذَا لَمْ نَجْعَلْ مَا يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ مَيْتَةً، فَهَلْ عَلَى الْمُضْطَرِّ قِيمَةُ مَا أَكَلَهُ مِنْهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُحْرِمِ، هَلْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَى الصَّيْدِ؟. (الْعَاشِرَةُ) إذَا وَجَدَ مَيْتَتَانِ إحْدَاهُمَا مِنْ جِنْسِ الْمَاكُولِ دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ إحْدَاهُمَا طَاهِرَةٌ فِي الْحَيَاةِ دُونَ الْأُخْرَى، كَشَاةٍ وَحِمَارٍ، أَوْ كَلْبٍ، فَهَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا؟ أَمْ تَتَعَيَّنُ الشَّاةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) تَرْكُ الْكَلْبِ وَالتَّخْيِيرُ فِي الْبَاقِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) لَا يَجُوزُ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ حَتَّى يَتُوبَ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ * وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ وَاضِحَةً فِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ، وَبَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ