شِئْت بَعْدَ ذَلِكَ (أَنْ) تُسَمِّيَهُ (قَضَاءً) لَمْ نَمْنَعْك مِنْهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَا لَمْ (نَتَبَيَّنْ فِي الْخَبَرِ) عَمَّا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُقْتَضِيًا لِلْفَوْرِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ *، وَلَمْ يَدْخُلْهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لِيَسْتَخْلِفُنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ *، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَوْرِ الْخِطَابِ. وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا وَلَأُكَلِّمَنَّ عَمْرًا فَلَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مِثْلَهُ. قِيلَ لَهُ: وَلِمَ وَجَبَ إذَا (كَانَ) الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ يَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُقْتَضِيًا لِلْفَوْرِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مِثْلَهُ، وَبِأَيَّةِ عِلَّةٍ وَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَكَيْفَ وَجَّهَ دَلَالَةَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ؟. وَعَلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ لَا يَقْتَضِي إلْزَامَ شَيْءٍ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ وَلَأُكَلِّمَنَّ زَيْدًا لَمْ يَلْزَمْهُ بِهَذَا الْقَوْلِ فِعْلُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَاتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ * فَأَمَرَهُ بِتَرْكِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ. (وَلَا يَحْنَثُ) فِيهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَاتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا * رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَانِ مِسْطَحِ بْنِ أَثَاثَةَ حِينَ حَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَلَا يُنْفِقَ عَلَيْهِ لِمَا كَانَ مِنْهُ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أَنَّ حَلِفَهُ عَلَى فِعْلٍ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ، فَكَمَا جَازَ لَهُ تَرْكُهُ رَاسًا فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ عَلَى الْفَوْرِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا وَجَّهَ اسْتِدْلَالَنَا مِنْهُ أَنَّ الْخَبَرَ وَالْيَمِينَ لَمْ تُفِيدَا فِعْلَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَمْ يَقْتَضِ اللَّفْظُ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْأَمْرُ وَاخْتِلَافُهُمَا مِنْ جِهَةِ مَا يُعَلَّقُ بِالْأَمْرِ مِنْ الْإِيجَابِ دُونَ الْخَبَرِ لَا يُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا. قِيلَ لَهُ: فَاَلَّذِي (فِيهِ) إلْزَامُ الْفِعْلِ إنَّمَا كَانَ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ أَجْلِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْوُجُوبِ، وَاَلَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلْزَامُ الْفِعْلِ لَمْ يَقْتَضِ الْحَالَ لِعَدَمِ الْإِلْزَامِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَانَ وُرُودُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ فِعْلِهِ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ كَانَ لَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ مِنْهَا، لِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ إيَّاهُ عَلَى الْفَوْرِ تَخْصِيصًا لِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ. قِيلَ لَهُ: قَوْلُك إنَّهُ عُمُومٌ فِي الْأَزْمَانِ غَلَطٌ لِأَنَّ الزَّمَانَ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَيَكُونُ عُمُومًا مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ لِتَرْكِهِ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ وُجُوبُهَا) (فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَائِهِ، كَالدُّيُونِ إذَا أَخَّرَهَا مَنْ هِيَ عَلَيْهِ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا) . وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ وُرُودَ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ يَقْتَضِي عُمُومُهُ جَوَازَ فِعْلِهِ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ فَيَجُوزُ تَاخِيرُهُ لَجَازَ مِثْلُهُ فِي الدُّيُونِ الْحَالَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَخَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْحَجَّ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ لِأَنَّهُ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه عَلَى الْحَجِّ، وَلَمْ يَحُجَّ هُوَ حَتَّى حَجَّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ تَقَدُّمِ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى السَّنَةِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتَضِ الْفَوْرَ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا (بِسُؤَالٍ فِي) الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا لِأَنَّ الْكَلَامَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُخَالِفِنَا فِي الْأَصْلِ، وَنَحْنُ لَا نَابَى أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عَلَى جَوَازِ التَّاخِيرِ، ثُمَّ الْكَلَامُ فِي أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ أَنَّهَا مِمَّا يَجُوزُ تَاخِيرُهُ أَوْ لَا يَجُوزُ يَكُونُ كَلَامًا فِي الدَّلَالَةِ الْمُوجِبَةِ لِجَوَازِ التَّاخِيرِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا، وَفِي ذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ مَسْأَلَتِنَا وَكَلَامٌ فِي غَيْرِهَا، كَمَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي دَلَالَةِ التَّخْصِيصِ لَفْظٌ (ظَاهِرُهُ) الْعُمُومُ لَيْسَ هُوَ كَلَامًا فِي أَصْلِ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ أَوْ نَفْيِهِ وَلَا قَادِحًا فِيهِ، فَلَوْ صَحَّ أَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ قَدْ كَانَ مُتَقَدِّمًا لِلسَّنَةِ الَّتِي حَجَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا لَمَا دَلَّ (ذَلِكَ) عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ (أَوْجَبَ تَاخِيرَهُ) ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ فَرْضَ الْحَجِّ إنَّمَا نَزَلَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي حَجَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا، وَقِيلَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ. فَإِنْ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، وَإِنْ كَانَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ فَقَدْ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا قَبْلَهُ. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى (هَذَا) ظَاهِرُ الْحَالِ (وَهُوَ) أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَحُجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحُضُورِ الْمَوْسِمِ وَالْوُقُوفِ بِتِلْكَ الْمَشَاهِدِ مُتَنَفِّلًا بِهِ عَلَى الرَّسْمِ الَّذِي كَانُوا يَحُجُّونَهُ، لِيَعْلَمَ الْعَرَبُ وَمَنْ شَهِدَ ذَلِكَ الْمَوْسِمَ أَنَّ مِنْ شَرِيعَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِعْلَ الْحَجِّ اقْتِدَاءً بِسُنَّةِ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم - وَالدَّلِيلُ: عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ فَرْضِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَجَّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ خَطَبَ النَّاسَ فِي عَرَفَاتٍ فَقَالَ: إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ * فَرُوِيَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ قَدْ صَارَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي ابْتَدَأَ