فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 436

فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَرْبِطُ فِي رِجْلِهِ حَبْلًا. ثُمَّ يَاكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَذَا مِنْ هَذَا فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْمُرَادَ بَيَاضُ النَّهَارِ، وَسَوَادُ اللَّيْلِ *، وَلَمْ يَامُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ. وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَمَّارٌ أَجْنَبَا، فَلَمْ يُصَلِّ عُمَرُ حَتَّى أَدْرَكَ الْمَاءَ؛ وَظَنَّ عَمَّارٌ أَنَّ التُّرَابَ يَصِلُ إلَى حَيْثُ يَصِلُ الْمَاءُ فَتَمَرَّغَ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ وَلَمْ يَامُرْ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِالْقَضَاءِ *، وَكَذَلِكَ أَبُو ذَرٍّ بَقِيَ مُدَّةً جُنُبًا لَمْ يُصَلِّ، وَلَمْ يَامُرْهُ بِالْقَضَاءِ، بَلْ أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ قَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً تَمْنَعُنِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، فَأَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ زَمَنَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ *، وَلَمْ يَامُرْهَا بِالْقَضَاءِ. وَلَمَّا حَرُمَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ تَكَلَّمَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ * وَلَمْ يَامُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ. وَلَمَّا زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ حِينَ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، كَانَ مَنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهُ مِثْلُ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ، وَبِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَامُرْهُمْ النَّبِيُّ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ. وَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَبْلُغْ الْخَبَرُ إلَى مِنْ كَانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى فَاتَ ذَلِكَ الشَّهْرُ، لَمْ يَامُرْهُمْ بِإِعَادَةِ الصِّيَامِ. وَكَانَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ - لَمَّا ذَهَبُوا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ - قَدْ صَلَّى إلَى الْكَعْبَةِ مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، وَكَانُوا حِينَئِذٍ يَسْتَقْبِلُونَ الشَّامَ، فَلَمَّا ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. أَمَرَهُ بِاسْتِقْبَالِ الشَّامِ، وَلَمْ يَامُرْهُ بِإِعَادَةِ مَا كَانَ صَلَّى. وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ سُئِلَ - وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ: عَنْ رَجُلٍ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ قَالَ لَهُ: انْزَعْ عَنْك جُبَّتَك، وَاغْسِلْ عَنْك أَثَرَ الْخَلُوقِ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا كُنْت صَانِعًا فِي حَجِّك *. وَهَذَا قَدْ فَعَلَ مَحْظُورًا فِي الْحَجِّ، وَهُوَ لُبْسُ الْجُبَّةِ، وَلَمْ يَامُرْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ بِدَمٍ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ لَلَزِمَهُ دَمٌ. وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: صَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - فَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِينِي فِي الصَّلَاةِ. فَعَلَّمَهُ الصَّلَاةَ الْمُجْزِيَةَ * وَلَمْ يَامُرْهُ بِإِعَادَةٍ مَا صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ. مَعَ قَوْلِهِ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ تِلْكَ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا بَاقٍ، فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِهَا، وَاَلَّتِي صَلَّاهَا لَمْ تَبْرَا بِهَا الذِّمَّةُ، وَوَقْتُ الصَّلَاةِ بَاقٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ لَزِمَتْهُمْ الصَّلَاةُ أَدَاءً لَا قَضَاءً. وَإِذَا كَانَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِمْ. فَهَذَا الْمُسِيءُ الْجَاهِلُ إذَا عَلِمَ بِوُجُوبِ الطُّمَانِينَةِ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الطُّمَانِينَةُ حِينَئِذٍ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالطُّمَانِينَةِ فِي صَلَاةِ تِلْكَ الْوَقْتِ، دُونَ مَا قَبْلَهَا. وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ لِمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ أَنْ يُعِيدَ، وَلِمَنْ تَرَكَ لُمْعَةً مِنْ قَدَمِهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ. وَقَوْلُهُ أَوَّلًا: صَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ * تَبَيَّنَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ لَمْ يَكُنْ صَلَاةً، وَلَكِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا بِوُجُوبِ الطُّمَانِينَةِ، فَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ ابْتِدَاءً، ثُمَّ عَلَّمَهُ إيَّاهَا، لَمَّا قَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا *. فَهَذِهِ نُصُوصُهُ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَحْظُورَاتِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ مَعَ الْجَهْلِ فِيمَنْ تَرَكَ وَاجِبَاتِهَا مَعَ الْجَهْلِ. وَأَمَّا أَمْرُهُ لِمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ أَنْ يُعِيدَ فَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَاتِ بِالْوَاجِبِ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ. فَثَبَتَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهِ حِينَ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِبَقَاءِ وَقْتِ الْوُجُوبِ، لَمْ يَامُرْهُ بِذَلِكَ مَعَ مُضِيِّ الْوَقْتِ. وَأَمَّا أَمْرُهُ لِمَنْ تَرَكَ لُمْعَةً فِي رِجْلِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ بِالْإِعَادَةِ، فَلِأَنَّهُ كَانَ نَاسِيًا، فَلَمْ يَفْعَلْ الْوَاجِبَ، كَمَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ، وَكَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، فَإِنَّهَا قَضِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ بِشَخْصٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْتِ بَعْدَهُ. أَعْنِي أَنَّهُ رَأَى فِي رِجْلِ رَجُلٍ لُمْعَةً لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ *. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثٌ جَيِّدٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ * وَنَحْوُهُ. فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَكْمِيلِ الْوُضُوءِ لَيْسَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ بِإِعَادَةِ شَيْءٍ وَمَنْ كَانَ أَيْضًا يَعْتَقِدُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَسْقُطُ عَنْ الْعَارِفِينَ، أَوْ عَنْ الْمَشَايِخِ الْوَاصِلِينَ. أَوْ عَنْ بَعْضِ أَتْبَاعِهِمْ، أَوْ أَنَّ الشَّيْخَ يُصَلِّي عَنْهُمْ، أَوْ أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أَسْقَطَ عَنْهُمْ الصَّلَاةَ، كَمَا يُوجَدُ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْفَقْرِ وَالزُّهْدِ، وَاتِّبَاعِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَهَؤُلَاءِ يُسْتَتَابُونَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنْ أَقَرُّوا بِالْوُجُوبِ، وَإِلَّا قُوتِلُوا، وَإِذَا أَصَرُّوا عَلَى جَحْدِ الْوُجُوبِ حَتَّى قُتِلُوا، كَانُوا مِنْ الْمُرْتَدِّينَ، وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ وَصَلَّى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا تَرَكَ قَبْلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت