بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَامِلِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْمَسْجِدِ فَاشْتَرَى حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَتْ شَرْقِيَّ الْمَسْجِدِ، وَقِبْلَتَهُ فَزَادَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَتْ الْحُجْرَةُ إذْ ذَاكَ فِي الْمَسْجِدِ وَبَنَوْهَا مُسَنَّمَةً عَنْ سَمْتِ الْقِبْلَةِ لِئَلَّا يَصِلَ أَحَدٌ إلَيْهَا. وَكَذَلِكَ قَبْرُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبِلَادَ كَانَ عَلَيْهِ السُّورُ السُّلَيْمَانِيُّ، وَلَا يَدْخُلُ إلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عِنْدَهُ، بَلْ كَانَ يُصَلِّي الْمُسْلِمُونَ بِقَرْيَةِ الْخَلِيلِ بِمَسْجِدٍ هُنَاكَ، وَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، إلَى أَنْ نُقِبَ ذَلِكَ السُّوَرُ، ثُمَّ جُعِلَ فِيهِ بَابٌ، وَيُقَالُ إنَّ النَّصَارَى هُمْ نَقَبُوهُ وَجَعَلُوهُ كَنِيسَةً، ثُمَّ لَمَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ الْبِلَادَ جُعِلَ ذَلِكَ مَسْجِدًا. وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ الصَّالِحُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُصَلُّونَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، هَذَا إذَا كَانَ الْقَبْرُ صَحِيحًا، فَكَيْفَ وَعَامَّةُ الْقُبُورِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى الْأَنْبِيَاءِ كَذِبٌ، مِثْلُ: الْقَبْرِ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ قَبْرُ نُوحٍ، فَإِنَّهُ كَذِبٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَظْهَرَهُ الْجُهَّالُ مِنْ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ وَكَذَلِكَ قَبْرُ غَيْرِهِ. فَصْلٌ: وَأَمَّا عَسْقَلَانُ فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَغْرًا مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ صَالِحُو الْمُسْلِمِينَ يُقِيمُونَ بِهَا لِأَجْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْبِقَاعِ الَّتِي مِثْلُ هَذَا الْجِنْسِ، مِثْلُ: جَبَلِ لُبْنَانَ، وَالْإِسْكَنْدَرِيَّة، وَمِثْلُ عَبَّادَانِ، وَنَحْوِهَا بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، وَمِثْلُ قَزْوِينَ، وَنَحْوِهَا مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي كَانَتْ ثُغُورًا، فَهَذِهِ كَانَ الصَّالِحُونَ يَقْصِدُونَهَا لِأَجْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ مُجَاهِدًا وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ *". وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ: عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ *". وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الرِّبَاطَ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوِرَةِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، لِأَنَّ الْمُرَابَطَةَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ، وَالْمُجَاوَرَةُ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ وَجِنْسُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ *. فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي تَعْظِيمِ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ ثُمَّ مِنْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ مَا سَكَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْكُفَّارُ وَأَهْلُ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ، وَمِنْهَا مَا خَرِبَ وَصَارَ ثَغْرًا غَيْرُ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ وَالْبِقَاعِ تَتَغَيَّرُ أَحْكَامُهَا بِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ أَهْلِهَا، فَقَدْ تَكُونُ الْبُقْعَةُ دَارَ كُفْرٍ إذَا كَانَ أَهْلُهَا كُفَّارًا، ثُمَّ تَصِيرُ دَارَ إسْلَامٍ إذَا أَسْلَمَ أَهْلُهَا كَمَا كَانَتْ مَكَّةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ، وَقَالَ اللَّهُ فِيهَا: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ *. ثُمَّ لَمَّا فَتَحَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ، وَهِيَ فِي نَفْسِهَا أُمُّ الْقُرَى وَأَحَبُّ الْأَرْضِ إلَى اللَّهِ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ كَانَ فِيهَا الْجَبَّارُونَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * الْآيَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى لَمَّا أَنْجَى مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ الْغَرَقِ: سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ *. وَكَانَتْ تِلْكَ الدِّيَارُ دِيَارَ الْفَاسِقِينَ لَمَّا كَانَ يَسْكُنُهَا إذْ ذَاكَ الْفَاسِقُونَ. ثُمَّ لَمَّا سَكَنَهَا الصَّالِحُونَ صَارَتْ دَارَ الصَّالِحِينَ، وَهَذَا أَصْلٌ يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ، فَإِنَّ الْبَلَدَ قَدْ تُحْمَدُ أَوْ تَذُمُّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِحَالِ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ حَالُ أَهْلِهِ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ فِيهِمْ إذْ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ أَوْ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ *. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ إلَّا بِالتَّقْوَى، النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ *". وَكَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إلَى"