فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 436

فَهُوَ لَهُ] مَا لَمْ يَظْفَرْ الْمُسْلِمُونَ بِهِ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ لَا ذِمَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ الْكُفَّارِ خَاصَّةً، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * وَآيَاتُ الْمَوَارِيثِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِهَا إلَّا مَا أَخْرَجَهُ نَصُّ سُنَّةٍ صَحِيحٌ. فَإِنْ كَانُوا ذِمَّةً سَلَّمَ إلَيْهِمْ مَنْ ظَفِرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ مَلَكُوهُ بِالْمِيرَاثِ. وَإِنْ كَانُوا حَرْبِيِّينَ أُخِذَ لِلْمُسْلِمِينَ مَتَى ظُفِرَ بِهِ. فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ لَهُ يَرِثُهُ عَنْهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا حُكْمُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ، وَمُوجَبُ الْإِجْمَاعِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

1841 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَكُونُ الْكَافِرُ وَلِيًّا لِلْمُسْلِمَةِ، وَلَا الْمُسْلِمُ وَلِيًّا لِلْكَافِرَةِ، الْأَبُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، وَالْكَافِرُ وَلِيٌّ لِلْكَافِرَةِ الَّتِي هِيَ وَلِيَّتُهُ يُنْكِحُهَا مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * وَقَالَ تَعَالَى: وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ *. وَهُوَ قَوْلُ مَنْ حَفِظْنَا قَوْلَهُ، إلَّا ابْنَ وَهْبٍ صَاحِبَ مَالِكٍ قَالَ: إنَّ الْمُسْلِمَ يَكُونُ وَلِيًّا لِابْنَتِهِ الْكَافِرَةِ فِي إنْكَاحِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ أَوْ مِنْ الْكَافِرِ - وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

وَمَنْ قَالَ: بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَلَا بُدَّ، دُونَ ذِكْرِ اسْتِتَابَةٍ أَوْ قَبُولِهَا: كَمَا أَوْرَدْنَا عَنْ مُعَاذٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِالِاسْتِتَابَةِ أَبَدًا وَإِيدَاعِ السِّجْنِ فَقَطْ: كَمَا قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مِمَّا قَدْ أَوْرَدْنَا قَبْلُ، وَوُجُوبُ الْقِتَالِ: هُوَ حُكْمٌ آخَرُ غَيْرُ وُجُوبِ الْقَتْلِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّ قِتَالَ مَنْ بَغَى عَلَى الْمُسْلِمِ، أَوْ مَنَعَ حَقًّا قِبَلَهُ، وَحَارَبَ دُونَهُ: فَرْضٌ وَاجِبٌ بِلَا خِلَافٍ - وَلَا حُجَّةَ فِي قِتَالِ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه - أَهْلَ الرِّدَّةِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ بِلَا شَكٍّ، وَلَمْ نُخَالِفْكُمْ فِي هَذَا، وَلَا يَصِحُّ - أَصْلًا - عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ ظَفِرَ بِمُرْتَدٍّ عَنْ الْإِسْلَامِ غَيْرِ مُمْتَنِعٍ بِاسْتِتَابَةٍ، فَتَابَ، فَتَرَكَهُ، أَوْ لَمْ يَتُبْ فَقَتَلَهُ - هَذَا مَا لَا يَجِدُونَهُ. وَأَمَّا مَنْ بَدَّلَ كُفْرًا بِكُفْرٍ آخَرَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ: أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمَا: لَا يُقَرُّونَ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يُنْبَذُ إلَيْهِ عَهْدُهُ، وَيُخْرَجُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ ظُفِرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَمَرَّةً قَالَ: إنْ رَجَعَ إلَى دِينِهِ الْكِتَابِيِّ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ أُقِرَّ عَلَى حُرِّيَّتِهِ وَتُرِكَ. وَمَرَّةً قَالَ: لَا يُتْرَكُ بَلْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ. وَبِهَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا - إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ إلْحَاقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، بَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَّا قُتِلَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ: فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ: إنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى ذَلِكَ، يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * وَأَمْرِهِ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ مُخَاطِبًا لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ *، إلَى آخِرِ السُّورَةِ. قَالُوا: فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْكُفْرَ كُلَّهُ دِينًا وَاحِدًا. قَالُوا: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ * فَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا يَمْنَعُ مِنْ إكْرَاهِهِ عَلَى تَرْكِ كُفْرِهِ. قَالُوا: وَلَا يَخْلُو إذَا أُجْبِرَ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ، وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى دِينِهِ الَّذِي خَرَجَ عَنْهُ - كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - أَوْ يُجْبَرَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ، كَمَا قَالَ هُوَ فِي قَوْلِهِ الثَّانِي، وَأَصْحَابُكُمْ، فَإِنْ أُجْبِرَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى دِينِهِ فَقَدْ أُجْبِرَ عَلَى اعْتِقَادِ الْكُفْرِ، وَعَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْكُفْرِ. قَالُوا: وَاعْتِقَادُ جَوَازِ هَذَا كُفْرٌ؟ قَالُوا: إنْ أُكْرِهَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْكُفْرِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَهُوَ كَافِرٌ، وَهُمْ كُفَّارٌ، وَلَا فَرْقَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَهَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ مِنْ النُّصُوصِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: أَرَأَيْت مَنْ أَحْدَثَ فِي نَصْرَانِيَّةٍ، أَوْ يَهُودِيَّةٍ، أَوْ مَجُوسِيَّةٍ: رَايًا لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ جُمْلَتِهِمْ أَتُجْبِرُونَهُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ الرَّايِ وَالرُّجُوعِ إلَى جُمْلَتِهِمْ، أَوْ إلَى الْإِسْلَامِ؟ وَأَرَأَيْتُمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَلْكَانِيَّةٍ إلَى نُسْطُورِيَّةٍ، أَوْ يَعْقُوبِيَّةٍ، أَوْ قَادُونِيَّةٍ، أَوْ مَعْدُونِيَّةٍ، فَدَانَ بِعُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؟ أَتُجْبِرُونَهُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى التَّثْلِيثِ، أَوْ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ؟ وَكَذَلِكَ مَنْ خَرَجَ مِنْ رَبَّانِيَّةٍ إلَى عَامَانِيَّةٍ، أَوْ إلَى عِيسَوِيَّةٍ، أَتُجْبِرُونَهُ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلَى الْكُفْرِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ التَّشْنِيعِ وَكُلُّ هَذَا عَائِدٌ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * فَحَقٌّ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت