فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 436

وقبل حلول موسم الحج التالي - أي حج السنة الثالثة عشر - عاد مصعب بن عمير إلى مكة يحمل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بشائر الفوز، ويقص عليه خبر قبائل يثرب، وما فيها من مواهب الخير، وما لها من قوة ومنعة.

بيعة العقبة الثانية

في موسم الحج في السنة الثالثة عشر من النبوة يونيو سنة 622م، حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسًا من المسلمين من أهل يثرب، جاؤوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم، وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق، حتى متى نترك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟.

فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم هذا الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل.

ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الاجتماع التاريخي الذي حول مجرى الأيام في صراع الوثنية والإسلام. يقول كعب بن مالك الأنصاري رضي اللَّه عنه.

"خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق، وكانت الليلة التي واعدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبد اللَّه بن عمرو بن حرام، سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا. ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة، قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا".

قال كعب:"فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لمعاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، أم عمارة، من بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو، أم منيع، من بني سلمة."

فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا، ومعه (عمه) العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، وكان أول متكلم"."

بداية المحادثة وتشريح العباس لخطورة المسؤلية:

وبعد أن تكامل المجلس بدأت المحادثات لإبرام التحالف الديني والعسكري، وكان أول المتكلمين هو العباس بن عبد المطلب عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تكلم ليشرح لهم، بكل صراحة، خطورة المسؤلية التي ستلقى على كواهلهم نتيجة هذا التحالف قال:

"يا معشر الخزرج، - وكان العرب يسمون الأنصار خزرجًا، خزرجها وأوسها كليهما -، إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده. وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده."

قال كعب فقلنا له قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول اللَّه، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

وهذا الجواب يدل على ما كانوا عليه من عزم وتصميم وشجاعة وإيمان وإخلاص في تحمل هذه المسؤولية العظيمة، وتحمل عواقبها الخطيرة.

وألقى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بيانه، ثم تمت البيعة.

بنود البيعة:

وقد روى ذلك الإمام أحمد عن جابر مفصلًا، قال جابر قلنا: يا رسول اللَّه على ما نبايعك؟ قال:

على السمع والطاعة في النشاط والكسل.

وعلى النفقة في العسر واليسر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت