مَحَلٍّ قَدَرَ أَهْلُهُ فِيهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ صَارَ دَارَ إسْلَامٍ وَحِينَئِذٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَوْدُهُ دَارَ كُفْرٍ وَإِنْ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ * فَقَوْلُهُمْ لَصَارَ دَارَ حَرْبٍ الْمُرَادُ صَيْرُورَتُهُ كَذَلِكَ صُورَةً لَا حُكْمًا وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ مَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ يَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ وَلَا أَظُنُّ أَصْحَابَنَا يَسْمَحُونَ بِذَلِكَ بَلْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ فَسَادٌ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَوْ اسْتَوْلَوْا عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فِي مِلْكِ أَهْلِهِ ثُمَّ فَتَحْنَاهَا عَنْوَةً مَلَكْنَاهَا عَلَى مُلَّاكِهَا وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ ثُمَّ رَأَيْت الرَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُ ذَكَرُوا نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ يَسْكُنُهُ الْمُسْلِمُونَ وَقِسْمٌ فَتَحُوهُ وَأَقَرُّوا أَهْلَهُ عَلَيْهِ بِجِزْيَةٍ مَلَكُوهُ أَوْ لَا وَقِسْمٌ كَانُوا يَسْكُنُونَهُ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَعَدُّهُمْ الْقِسْمَ الثَّانِيَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي كَوْنِهَا دَارَ إسْلَامٍ كَوْنُهَا تَحْتَ اسْتِيلَاءِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ قَالَ وَأَمَّا عَدُّهُمْ الثَّالِثَ فَقَدْ يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ الْقَدِيمَ يَكْفِي لِاسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ أَيْ إظْهَارُ دِينِهِ أَيْ وَالْمُقْسَمُ أَنَّهُ لَمْ يَرْجُ ظُهُورَ إسْلَامِ بِمُقَامِهِ وَحِينَئِذٍ تَصْدُقُ الْعِبَارَةُ بِصُوَرٍ ثَمَانِيَةٍ لِأَنَّهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ إمَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِاعْتِزَالِ أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَخَافَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَرْجُوَ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَا وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَوْ خَافَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ أَيْ أَوْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ أَيْ إظْهَارُ دِينِهِ أَيْ وَالْمُقْسَمُ أَنَّهُ لَمْ يَرْجُ ظُهُورَ إسْلَامٍ بِمُقَامِهِ فَحِينَئِذٍ تَصْدُقُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ بِصُوَرٍ أَرْبَعَةٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالِاعْتِزَالِ أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَرْجُوَ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَا فَتَلَخَّصَ أَنَّ صُوَرَ الْوُجُوبِ اثْنَا عَشَرَ وَقَوْلُهُ أَمَّا إذَا رَجَا مَا ذُكِرَ أَيْ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ بِمُقَامِهِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُقِيمَ أَيْ فَتَكُونُ الْهِجْرَةُ خِلَافَ الْأَوْلَى وَتَصْدُقُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ بِسِتَّةَ عَشَرَ صُورَةً لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُمْكِنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَخَافَ فِتْنَةً أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِاعْتِزَالِ أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَرْجُوَ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَا فَتَلَخَّصَ أَنَّ صُوَرَ خِلَافِ الْأَوْلَى سِتَّةَ عَشَرَ وَصُوَرَ الْوُجُوبِ اثْنَا عَشْر وَصُورَةَ الْحُرْمَةِ وَاحِدَةٌ وَصُوَرَ النَّدْبِ ثَلَاثَةٌ فَالْأَحْكَامُ أَرْبَعَةٌ وَالصُّوَرُ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ كَمَا لَا يَخْفَى ا هـ (قَوْلُهُ بِدَارِ كُفْرٍ) أَيْ حَرْبٍ وَالْأَوْجَهُ أَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ الَّتِي اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا كَذَلِكَ ا هـ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ أَمْكَنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ) إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْك الْفَاعِلُ مِنْ الْمَفْعُولِ فَرُدَّ الِاسْمَ إلَى الضَّمِيرِ فَمَا رَجَعَ إلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَرْفُوعِ فَهُوَ الْفَاعِلُ وَمَا رَجَعَ إلَى ضَمِيرِهِ الْمَنْصُوبِ فَهُوَ الْمَفْعُولُ قَالَ ابْنُ هَاشِمٍ تَقُولُ أَمْكَنَ الْمُسَافِرَ السَّفَرُ بِنَصْبِ الْمُسَافِرِ لِأَنَّك تَقُولُ أَمْكَنَنِي السَّفَرُ وَلَا تَقُولُ أَمْكَنْت السَّفَرَ ا هـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ وَوَجَبَتْ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) أَيْ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً بِلَا مَحْرَمٍ. (تَنْبِيهٌ) كَانَتْ الْهِجْرَةُ فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ بَلَدِهِ إلَيْهِ وَبَعْدَهُ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَمَا مَرَّ وَأَمَّا الْهِجْرَةُ مِنْ بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيهَا الْمَعَاصِي وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إزَالَتِهَا فَقَالَ شَيْخُنَا لَا تَجِبُ بَلْ تُنْدَبُ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّنْبَاطِيُّ كَغَيْرِهِ أَيْضًا ا هـ ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ (قَوْلُهُ كَهَرَبِ أَسِيرٍ) هَذَا التَّشْبِيهُ يُمْكِنُ رُجُوعُهُ لِلنَّدْبِ وَالْوُجُوبِ بَلْ وَلِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْحُرْمَةِ وَخِلَافُ الْأَوْلَى فَتَجْرِي فِيهِ الْأَحْكَامُ الْأَرْبَعَةُ وَتُتَعَقَّلُ فِيهِ صُوَرُ النَّدْبِ الثَّلَاثَةِ وَصُورَةُ الْحُرْمَةِ الْوَاحِدَةِ وَصُوَرُ الْوُجُوبِ الِاثْنَا عَشَرَ وَصُوَرُ خِلَافِ الْأَوْلَى السِّتَّةَ عَشْرَ وَالشَّارِحُ جَعَلَهُ رَاجِعًا لِلْوُجُوبِ فَقَطْ بَلْ لِبَعْضِ صُوَرِهِ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ إلَخْ أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَرْجُ ظُهُورَ إسْلَامٍ بِمُقَامِهِ إذْ هَذَا هُوَ فَرْضُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَحِينَئِذٍ يُقَالُ هَذَا الْأَسِيرُ الَّذِي يُمْكِنُهُ إظْهَارُ دِينِهِ إمَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِاعْتِزَالِ أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَخَافَ فِتْنَةً أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَرْجُوَ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لَا وَأَمَّا الصُّوَرُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ صُوَرِ الْوُجُوبِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ أَوْ خَافَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ فَلَا تَتَحَمَّلُهَا عِبَارَتُهُ هُنَا لِتَقْيِيدِهِ هُنَا بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إظْهَارُ دِينِهِ وَالْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا أَمْكَنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ وَالْحَامِلُ عَلَى التَّقْيِيدِ مُجَارَاةُ عِبَارَةِ الْمَتْنِ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ فِيهَا مَوْجُودٌ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْمُشَبَّهِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ قَيْدًا فِي الْحُكْمِ لَا فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ بِدَلِيلِ عَطْفِ الشَّارِحِ عَلَى الْقَيْدِ فِيهِ بِقَوْلِهِ أَوْ خَافَ فِتْنَةً إلَخْ وَلَا فِي الْمُشَبَّهِ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ وَتَقْيِيدِي بِعَدَمِ الْإِمْكَانِ أَيْ تَقْيِيدِي لِهَرَبِ الْأَسِيرِ الَّذِي يُفِيدُهُ التَّشْبِيهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ نَفْسَ الْأَسْرِ ذُلٌّ ا هـ شَوْبَرِيٌّ. وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ مَعَ شَرْحِ م ر وَإِنْ قَدَرَ أَسِيرٌ عَلَى هَرَبٍ لَزِمَهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ كَمَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَاقْتَضَى كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ اعْتِمَادَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْأَسِيرَ فِي يَدِ الْكُفَّارِ مَقْهُورٌ مُهَانٌ فَكَانَ ذَلِكَ لَهُ تَخْلِيصًا لِنَفْسِهِ مِنْ رِقِّ الْأَسْرِ انْتَهَتْ.