فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 523

وهذا العدل المأمور به مما يَتغير بتغير الظروف ومما يذهب ويجيء بما يدخل في نفس المكلَّف، ولذلك لا يُعقل أن يكون شرطًا في صحة العقد، بل هو شرط نفسيّ متعلق بنفس المكلَّف وبتصرفه في كل وقت بحسَبه. فرُبَّ رجل عزم على الزواج المتعدد وهو مُصِرُّ في قلبه على عدم العدل ثم لم ينفِّذ ما كان مصرًّا عليه وعدَل بين أزواجه، فهذا لا يستطيع أحد يَعقل الشرائعَ أن يدَّعيَ أنه خالَفَ أمرَ ربه؛ إذ إنه أطاع اللهَ بالعدل، وعزيمتُه في قلبه من قبلُ لا أثر لها في صحة العقد أو بطلانه بداهةً، خصوصًا أن النصوص كلها صريحة في أن الله لا يؤاخذ العبد بما حدَّث به نفسَه ما لم يعمل به أو يتكلم (أخرجه البخاريّ 2528 ومسلم 127/201 واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إن الله تجاوَزَ لأمتي ما حدَّثَت به أنفسَها ما لم يتكلموا أو يَعملوا به") .

ورُبَّ رجل تزوج زوجة أخرى عازمًا في نفسه على العدل ثم لم يفعل، فهذا قد ارتكَب الإثم بترك العدل ومخالفة أمر ربه، ولكن لا يستطيع أحد يَعقل الشرائعَ أن يَدَّعيَ أن هذا الجَور المحرَّم منه قد أثَّر على أصل العقد بالزوجة الأخرى فنقَلَه من الحلِّ والجواز إلى الحرمة والبطلان، إنما إثمه على نفسه فيما لم يَعدل، ويجب عليه طاعة ربه في إقامة العدل. وهذا شيء بَدَهيّ لا يخالف فيه من يفقه الدين والتشريع.

والقوم أصحاب هوًى رَكِبَ عقولَهم لا أصحاب علم ولا أصحاب استدلال، يحرّفون الكلم عن مواضعه ويلعبون بالدلائل الشرعية من الكتاب والسنة ما وسعهم اللعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت