ثم هم يعلمون علم اليقين أنه حلال بكل معنى كلمة"حلال"بنص القرآن وبالعمل المتواتر الواضح الذي لا شك فيه منذ عهد النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه إلى اليوم، ولكنهم قوم يَفترون!
وشرط العدل في هذه الآية (فإن خفتم ألّا تَعدلوا فواحدةً) شرط شخصيّ لا تشريعيّ، أعني أنه شرطٌ مَرجِعُه لشخص المكلَّف، لا يدخل تحت سلطان التشريع والقضاء، فإن الله قد أذن للرجل ـ بصيغة الأمر ـ أن يتزوج ما طاب له من النساء دون قيد بإذن القاضي أو بإذن القانون أو بإذن وليّ الأمر أو غيره، وأمره أنه إذا خاف في نفسه ألّا يَعدل بين الزوجات أن يَقتصر على واحدة، وبالبداهة أنْ ليس لأحد سلطانٌ على قلب المُريدِ الزواجَ حتى يستطيع أن يعرف ما في دَخيلة نفسه من خوف الجَور أو عدم خوفه، بل ترَك الله ذلك لتقديره في ضميره وحده. ثم علَّمه الله سبحانه أنه على الحقيقة لا يستطيع إقامة ميزان العدل بين الزوجات إقامة تامة لا يدخلها مَيل، فأمَرَه ألّا يَميل كلَّ المَيل فيَذَرَ بعضَ زوجاته كالمعلَّقة، فاكتفَى ربه منه في طاعة أمره بالعدل أن يَعمل منه بما استطاع ورَفَعَ عنه ما لم يستطع.