وبعد، فإن أول ما اصطَنَعوا من ذلك أنِ اصطَنَعوا الشفقة على الأسرة وعلى الأبناء خاصة وزعموا أن تعدد الزوجات سبب لكثرة المتشردين من الأطفال؛ بأن أكثر هؤلاء من آباءٍ فقراءَ تزوجوا أكثَرَ من واحدة! وهم في ذلك كاذبون، والإحصاءات التي يستندون إليها هي التي تكذِّبهم، فأرادوا أن يشرِّعوا قانونًا يحرِّم تعدد الزوجات على الفقير ويأذنون به للغنيِّ القادر! فكان هذا سَوأةَ السَّوآت؛ أن يجعلوا هذا التشريع الإسلاميَّ الساميَّ وقفًا على الأغنياء!
ثم لم ينفع هذا ولم يستطيعوا إصداره فاتجهوا وجهة أخرى يتلاعبون فيها بالقرآن، فزعموا أن إباحة التعدد مشروطة بشرط العدل، وأن الله سبحانه أخبر بأن العدل غير مستطاع، فهذه أمارة تحريمه عندهم! إذ قصَروا استدلالَهم على بعض الآية وترَكوا باقيَها (ولن تستطيعوا أن تَعدلوا بين النساء ولو حرَصتم) وترَكوا باقيَها (فلا تَميلوا كلَّ المَيل فتَذَروها كالمعلَّقة) فكانوا كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض!
ثم ذهبوا يتلاعبون بالألفاظ وببعض القواعد الأصولية، فسمَّوا تعدد الزوجات"مباحًا"وأن لوليِّ الأمر أن يقيِّد بعض المباحات بما يرى من القيود للمصلحة!
وهم يعلمون أنهم في هذا كله ضالُّون مضلُّون، فما كان تعدد الزوجات مما يُطلق عليه لفظ"المباح"بالمعنى العلميّ الدقيق، أي المسكوت عنه الذي لم يَرِدْ نصّ بتحليله أو تحريمه، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم:"الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكَت عنه فهو مما عفَا عنه" (رواه الترمذيّ 1726 وابن ماجه 3367 وحسنه الألبانيّ في صحيح ابن ماجه 2715) بل إن القرآن نصّ صراحة على تحليله، بل جاء إحلاله بصيغة الأمر التي أصلها للوجوب (فانكِحُوا ما طاب لكم من النساء) وإنما انصرَفَ فيها الأمر من الوجوب إلى التحليل بقوله: (ما طاب لكم) .