والجَنَف: الحَيف والمَيل والجَور، وفعله كفَرِحَ، والإثم والمعصية. فالمراد من الجَنَف هنا تفضيل من لا يَستحق التفضيل على غيره من القرابة المساوي له أو الأحق، فيشمل ما كان من ذلك عن غير قصد، ولكنه في الواقع حَيف في الحق، والمراد بالإثم ما كان قصد الموصِي به حرمانَ من يستحق أو تفضيلَ غيره عليه.
والإصلاح جعل الشيء صالحًا، يقال: أصلحه. أي جعله صالحًا، ولذلك يطلق على الدخول بين الخَصمين بالمراضاة؛ لأنه يجعلهم صالحين بعد أن فسَدوا. ويقال: أصلَح بينهم. لتضمينه معنى"دخل"والضمير المجرور بـ"بين"في الآية عائد إلى الموصِي والموصَى لهم المفهومين من قوله تعالى"مُوصٍ"إذ يقتضي مُوصًى لهم. ومعنى"فلا إثم عليه"أنه لا يَلحقه حرج من تغيير الوصية؛ لأنه تغيير إلى ما فيه خير. والمعنى أن من وجد في وصية الموصِي إضرارًا ببعض أقربائه ـ بأن حرَمه من وصيته، أو قدَّم عليه من هو أبعد نسبًا، أو أوصَى إلى غنيّ من أقربائه وترك فقيرهم ـ فسعى في إصلاح ذلك وطلب من الموصِي تبديلَ وصيته فلا إثم عليه في ذلك؛ لأنه سعى في إصلاح بينهم. أو حدَث شقاق بين الأقرَبِين بعد موتى الموصِي لأنه آثَرَ بعضهم، ولذلك عقَّبه بقوله:"إن الله غفور رحيم"وفيه تنويه بالمحافظة على تنفيذ وصايا الموصِين، حتى جعل تغيير جورهم محتاجًا للإذن من الله تعالى والتنصيص على أنه مغفور. وقرأ الجمهور"مُوصٍ"على أنه اسم فاعل"أوصى"وقرأه أبو بكر عن عاصم، وحمزة والكسائيّ ويعقوب وخلف"مُوَصٍّ"بفتح الواو وتشديد الصاد على أنه اسم فاعل"وصَّى"المضاعف. التحرير والتنوير 2/153ـ 154) وقد يخلق الله الإنسان بجَنَف، أي على هيئة يكون جانب منه أقلَّ طولًا من الجانب الآخر، ونحن نعرف من علماء التشريح أن كل نصف في الإنسان مختلف عن النصف الآخر، وقد يكون ذلك واضحًا في بعض الناس وقد لا يكون واضحا إلا للمدقق الفاحص، والإنسان قد لا يكون له خيار في أن يكون شقُّه