فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 523

(فمَن خاف من مُوصٍ جَنَفًا أو إثمًا فأصلَحَ بينهم فلا إثمَ عليه إن اللهَ غفورٌ رحيمٌ) إن الحق يريد العدل للجميع، فإذا كانت الوصية زائغة عن العدل وعن الصراط المستقيم وكان فيها حرمان للفقير وزيادة في ثراء الغني أو تركٌ للأقرَبِين، فهذا ضياع للاستطراق الذي أراده الله، فإذا جاء من يسعى في سبيل الخير ليرد الوصية للصواب فلا إثم عليه في التغيير الذي يُحدثه في الوصية طالما أنه يبدِّلها على الوجه الصحيح لها الذي يُرضي اللهَ سبحانه وتعالى. وقد يخاف الإنسان من صاحب الوصية أن يكون جَنِفًا، والجَنَف يفسَّر بأنه الحَيف والجَور (قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في قوله تعالى:"فمن خاف من مُوصٍ جَنَفًا أو إثمًا فأصلَحَ بينهم فلا إثمَ عليه إن اللهَ غفورٌ رحيمٌ"تفريع على الحكم الذي تقدَّمه وهو تحريم التبديل، فكما تفرَّع عن الأمر بالعدل في الوصية وعيدُ المبدِّل لها، وتفرَّع عن وعيد المبدِّل الإذنُ في تبديلٍ هو من المعروف، وهو تبديل الوصية التي فيها جَور وحَيف بطريقة الإصلاح بين الموصَى لهم وبين من ناله الحَيف من تلك الوصية، بأن كان جديرًا بالإيصاء إليه فترَكه الموصِي، أو كان جديرًا بمقدار فأجحَفَ به المُوصِي؛ لأن آية الوصية حصَرت قسمة تَرِكة الميت في اتباع وصيته وجعلت ذلك موكولًا إلى أمانته بالمعروف، فإذا خاف حَيفًا واضحًا وجنَف عن المعروف أمَرَ ولاةُ الأمور بالصلح.

ومعنى"خاف"هنا: الظن والتوقع؛ لأن ظنَّ المكروه خوفٌ، فأطلق الخوف على لازِمِه وهو الظن والتوقع، إشارة إلى أن ما توقَّعه المتوقِّع من قبيل المكروه، والقرينةُ هي أن الجَنَفَ والإثم لا يُخيفان أحدًا، ولا سيما من ليس من أهل الوصية وهو المصلِحُ بين أهلها، ومن إطلاق الخوف في مثل هذا قول أبي مِحجَنِ الثقفيّ:

أخاف إذا ما متّ ألَّا أذوقَها

أي أظن وأعلم شيئًا مكروهًا، ولذا قال قبله:

تُروِّي عظامي بعد موتي عروقُها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت