لأن الحق سبحانه يشرّع للمجتمع ككُلّ، إذًا الحق سبحانه يأمر عباده بأن يضربوا في الحياة ضربًا يوسّع رزقهم ليتسع لهم ويَفيض عن حاجتهم، فهذا الفائض هو الخير، والخير في هذا المجال يختلف من إنسان لآخر ومن زمن لآخر، فعندما كان يترك العبد عشرة جنيهات في الزمن القديم كان لهذا المبلغ قيمة، أما عندما يترك عبد آخر ألفَ جنيه في هذه الأيام فقد تكون محسوبة عند البعض بأنها قليل من الخير، إذًا فالخير يقدَّر في كل أمر بزمانه، ولذلك لم يحدده الله برقم. إننا في مصر مثلًا كنا نصرف الجنيه الورقيّ بجنيه من الذهب ويَفيض منه قرشان ونصف قرش، أما الآن فالجنيه الذهبيّ يساوي أكثر من مائتين وخمسين جنيهًا؛ لأن رصيد الجنيه المصريّ في الزمن القديم كان مرتفعًا أما الآن فالنقد المتداوَل قد فاق الرصيد الذهبيّ، لذلك صار الجنيه الذهبيّ أغلي بكثير جدًّا من الجنيه الورقيّ.
ولأن الله يريد بالناس الخير لم يحدِّد قدر الخير أو قيمته، وعندما يحضر الموتُ الإنسانَ الذي عنده فائض من الخير لا بد أن يوصيَ من هذا الخير. وعلينا أن نعلم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد نهَى عن انتظار لحظة الموت ليقول الإنسان وصيته أو ليبلغ أسرته بالديون التي عليه (أخرج البخاريّ [2738] عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي فيه يَبيت ليلَتَين إلا ووصيتُه مكتوبةٌ عنده") لأن الإنسان لحظة الموت قد لا يفكر في مثل هذه الأمور. ولذلك فعلينا أن نفهم أن الحق ينبهنا إلى أن يكتب الإنسان ما له وما عليه أثناء حياته، فيقول ويكتب وصيته التي تُنفَّذ من بعد حياته، يقول المؤمن: إذا حضَرَني الموت فلِوالِدِي كذا وللأقرَبِين كذا. أي أن المؤمن مأمور بأن يكتب وصيته وهو صحيح، ولا ينتظر وقت حدوث الموت ليقول هذه الوصية.
والحق يوصي بالخير لمن؟