مجرد الخِطبة لا يجعل المخطوبة زوجة للخاطب، بل تبقى أجنبية منه بالرغم من رضاها بخِطبته وعدم رفضها، وبالتالي فتُعامَل معاملة الأجنبية، وعلى ذلك يحرُم عليه وعليها شرعًا الخَلوة بينهما.
قال ابن قدامة: ولا يجوز له الخَلوة بها؛ لأنها محرَّمة عليه، ولم يَرِدْ الشرع بغير النظر، فبَقيَت على التحريم، ولأنه لا يؤمَن مع الخَلوة مواقعةُ المحظور، فإن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"لا يَخلُوَنَّ رجلٌ بامرأة؛ فإن ثالثَهما الشيطانُ"المغني [6/553] وفي رواية للحديث:"لا يَخلُوَنَّ أحدُكم بامرأة إلا مع ذي مَحرَم"أخرجه البخاريّ [5233] ومما ذكرناه يظهر جليًّا أن ما اعتاده أكثر الناس أو بعضهم من موافقته على خَلوة الخاطب بابنتهم المخطوبة وموافقتهم على خروجهما سويًّا إلى الأسواق وغيرها بحجة أنهما خطيبان، هذا الاعتياد باطل ولا قيمة له ولا يغيِّر حكمَ الشرع في تحريم الخَلوة بينهما؛ لأنهما لا يزالان أجنبيَّين، لأن الخطبة وعد بالزواج وليست عقدًا للزواج، ولأن تعامل الناس أو اعتيادهم شيئًا ما إنما يكون مقبولًا إذا لم يخالف الشرع، فإذا خالفه كان باطلًا ولا اعتبار له ولا يجوز الأخذ به، قال الإمام السَّرخَسيّ بشأن تعامل الناس المخالف للشرع: لأن التعامل بخلاف النص لا يعتبَر، وإنما يعتبَر ما لا نَصَّ فيه المبسوط للإمام السَّرخَسيّ [10/146] وحيث إن النص الشرعيّ وهو حديث رسول الله جاء بتحريم الخَلوة بين الرجل والأجنبية منه، وأن المخطوبة تَبقَى أجنبية من خاطبها، فلا تجوز الخَلوة بينهما إلا إذا كان معها أحد من محارمها. وإذا أراد الخاطب لقاء مخطوبته فيمكن أن يكون بحضور أهلها وأحد من أوليائها. وإذا تعذر على الخاطب أن يرى من يريد خطبتها فله أن يرسل امرأة ثقة أمينة لتنظر إليها وتخبره بما تراه منها من محاسنَ ومعايبَ، فقد روى الإمام البيهقيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أراد أن