إن الحق الخبير العليم بخبايا الصدور يقول: (عَلِمَ اللهُ أنكم ستَذكُرونهنَّ) إنه سبحانه وتعالى الذي خلق كل الكون ويعلم ما فيه ومن فيه، يعلم أن هذه المرأة سوف تكون لها مكانة في قلب الرجل الذي يرغب في الزواج بها بعد انتهاء العدة، والله لم يضيّق على الرجل المؤمن أمر التلميح أو التفكير في أمر خِطبة امرأة حتى لا يعُوق عواطفه، لكن الحق سبحانه وتعالى لم يترك المسألة دون ضوابطَ حتى لا يُهدر أحدٌ الوفاءَ أو يقعَ في المحظور، قال تعالى: (ولكن لا تُواعدوهنَّ سرًّا إلا أن تقولوا قولًا معروفًا) ولقد أباح الحق التلميح بأمر الخِطبة لا التصريح بها في فترة العدة لأن الحق عليم بخفايا الصدور، وأن المرأة في فترة عدتها قد تكون ذاتَ مكانة في قلب الرجل الذي يرغب أن يتزوجها، لذلك أباح التلميح ونهَى عن التواعد سرًّا، وإن تمَّ اللقاء بين رجل وامرأة مؤمنة في فترة عدتها فيجب أن يكون الحوار في إطار الأدب الإيمانيّ، وإن تمَّ التلميح فلنا أن نعرف أن المرأة في مثل هذه المواقف تلتقط بأحاسيسها أيَّة رسالة من القول بالمعروف.
وبعد ذلك يأمر الحق (ولا تَعزِموا عقدةَ النكاحِ حتى يَبلُغَ الكتابُ أجَلَه) إن مجرد العزم الأكيد منهيّ عنه، والعزم مقدَّم على الفعل، فإذا نهَى عنه كان النهيُ عن الفعل أقوى وأشدَّ، فلك أن تنويَ الزواج منها ولكن لا تُقدِمْ على إتمامه إلا بعد نهاية فترة العدة.
وقد يسأل سائل: ولماذا يَنهَى الله عن مثل هذا العزم؟
إن الحق سبحانه يَنهَى عن مثل هذا العزم لتأكيد حرمة زمن العدة، وحتى يمنع الرجل من أن يحوم حول حِمَى المرأة في هذه الفترة. إن أمر النكاح إنما يُقدِم له الإنسان بالمشيئة ولا يَعزِم عليه كأمر مبتوت فيه إلا بعد انتهاء العدة، وقد حدد الحقُّ الميعاد المناسب لعزم النكاح وهو أن يَبلُغَ الكتابُ أجَلَه، أي بعد أن تنتهيَ فترة العدة، فكأن عقدة النكاح لها مراحل: