وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العمومِ الأمَةَ إذا طُلِّقَت فإنها تَعتدُّ عندهم بقُرْأَينِ؛ لأنها على النصف من الحرة، والقُرء لا يَتبعَّض، فكُمِّل لها قُرْآنِ. وهكذا رُويَ عن عمر بن الخطاب، قالوا: ولم يُعرف بين الصحابة خلاف. وقال بعض السلف: بل عدَّتُها كعدَّة الحرَّة، لعموم الآية، ولأن هذا أمر جِبِليٍّ، فكان الحرائر والإماء في هذا سواءً. حكى هذا القولَ الشيخُ أبو عمر بن عبد البر عن محمد بن سيرين وبعض أهل الظاهر وضعَّفه.
وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء؛ ما هو؟ على قولين:
أحدهما: أن المراد بها الأطهار. وقال مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة. قال الزهريّ: فذكرتُ ذلك لعَمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة، وقد جادَلَها في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه (ثلاثةَ قُرُوء) فقالت عائشة: صدقتم، وتَدْرُون ما الأقراء؟ إنما الأقراءُ الأطهارُ. وقال مالك عن ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك. يريد قول عائشة. وقال مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد بَرِئَت منه وبَرِئَ منها. وقال مالك: وهو الأمر عندنا. ورُويَ مثلُه عن ابن عباس وزيد بن ثابت وسالم والقاسم وعروة وأبي بكر بن عبد الرحمن وقتادة والزهريّ وبقية الفقهاء السبعة وغيرهم. وهو مذهب مالك والشافعيّ وغير واحد، وداود وأبي ثور. وهو رواية عن أحمد.