إن المطلقة تَحُسّ بشكل أو بآخر أنها مزهود فيها، ويريد لها الحق أن تتربص أيام العدة حتى تنتهيَ هذه الأيام ويأتيَ لها من يرغب فيها فيتزوجَها، فتستردَّ كبرياءها الذي أهدره رجل من قبلُ، وحتى يشعر الرجل المطلِّق أن المرأة ليست مزهودًا فيها كما تخيَّل ولكنها مرغوبة أيضًا. والتربص يعني أيضًا أن النفس الواعية المكلَّفة بأوامر الله تدخل في صراع مع النفس الأمَّارة بالسوء، ولا بد أن تنتصر المرأةُ المؤمنةُ المطلَّقةُ لنفسها الواعيةُ على النفس الأمَّارة بالسوء لتنال ثواب طاعة الله وليَجزيَها الله خيرًا مما سبق.
وحين يأمر الله سبحانه أن تتربص المطلَّقة ثلاثة قُروء فمعنى ذلك أن تتربص بنفسها زمانًا هو ثلاثة أطهار متوالية. وقُرُوء جمع قُرْء، والمقصود به المسافة بين الحيضة والحيضة، والعلة في ذلك هو إبراء الرحم، وأيضًا إعطاء مهلة نفسية للرجل والمرأة، فمن الممكن أن تحدث المراجعة. إنها معرفة الخالق بالخلق التي تجلَّت في أن تكون العدة لثلاثة أطهار وذلك لإعطاء الفرصة للمراجعة بين الزوجين ولاستبراء الرحم في حالة عدم المراجعة وصيرورة الطلاق بائنًا؛ ذلك أن الحمل لا يكون مؤكدًا إلا بعد ثلاث حيضات، والحامل لا تحيض عادةً، وإن حاضت فإن ذلك يكون مرة أو مرتين لا أكثر، والعلم لا يتيقن من الحمل إلا في الشهر الثالث عندما يثبُت أن هناك جنينًا قد بدأ يملأ تجويف الرحم بما يمنع الحيض (قال العلامة ابن كثير في تأويل قول الله سبحانه وتعالى"والمطلَّقاتُ يَترَبَّصنَ بأنفسِهنَّ.."الآيةِ: هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للمطلقات المدخولِ بهنَّ من ذواتِ الأقراء بأن يَترَبَّصنَ بأنفسهنَّ ثلاثةَ قُرُوء، أي بأن تمكُث إحداهنَّ بعد طلاق زوجها لها ثلاثةَ قُروء ثم تتزوجَ إن شاءت.