الحق سبحانه وتعالى حين يأمر فالأمر يصادف من المؤمنين بالله امتثالًا، ويطبَّق الامتثال في كل الجزئيات حتى لا تَشِذّ عنه حالة من الحالات، فصار واقعًا يُحكَى وليس تكليفًا يُطلَب، وما دام قد أصبح الأمر واقعًا يُحكَى فكأن المسألة أصبحت تاريخًا يُروَى، هو (والمطلَّقاتُ يَتربَّصنَ بأنفسِهنَّ ثلاثةَ قُرُوءٍ) ويجوز أن نأخذ الآية على معنًى آخرَ هو أن الله تعالى قد قال: (والمطلَّقاتُ يَتربَّصنَ بأنفسِهنَّ) فيكون كلامًا خبريًّا. وانظر إلى قول الحق سبحانه: (الخبيثاتُ للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيِّباتُ للطيِّبين والطيِّبون للطيِّبات أولئك مبرَّؤون مما يقولون لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ) (النور: 26) إن هذا وإن كان كلامًا خبريًّا لكنه تشريع إنشائيّ، يَحتمل أن تُطيعَ وأن تَعصيَ، ولكن الله يطلب منّا أن تكون القضية هكذا (الخبيثات للخبيثين) يعني أن ربكم يريد أن تكون الخبيثات للخبيثين وأن تكون الطيبات للطيبين، وليس معنى ذلك أن الواقع لا بد أن يكون كما جاء في الآية، إنما الواقع يكون كذلك لو نفّذنا كلام الله، وسيختلف إذا عصينا الله وتمرّدنا على شرعه. هذا الواقع الخبريّ فيه أيضًا تكليف إيمانيّ، إنه تكليف بأن يتجه الإنسان إلى الإيمان، فهذا طيّب يتزوج على منهج الله من طيّبة، وإن كان الإنسان عاصيًا لله فهو يتجه إلى مثله. إن الواقع الخبريّ يتضمن تكليفًا إيمانيًّا، وهكذا نجد أن الحق حين قال: (والمطلَّقاتُ يَتربَّصنَ بأنفسِهنَّ ثلاثةَ قُرُوءٍ) فهذا الخبر هو واقع تكليفيّ، والتربّص يعني الانتظار، واستخدم الحق كلمة"التربص"بما فيها من صراع وانتباه ولم يقل الحق سبحانه"يَنتَظرْنَ"لأن الانتظار قد لا يحمل هذه القوة من الصراع.