الثامنة: من الإحسان إليهما والبرّ بهما إذا لم يتعين الجهادُ ألّا يجاهدَ إلا بإذنهما. ففي صحيح مسلم 2549/5 عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستأذنه في الجهاد فقال:"أحَيٌّ والداك؟"قال: نعم. قال:"ففيهما فجاهِدْ". وفي غير الصحيح قال: نعم، وتركتُهما يبكيان. قال:"اذهَب فأضحِكْهما كما أبكَيتَهما". رواه أبو داود 2528 وصححه الألبانيّ في صحيح أبي داود 2205. وفي خبر آخر أنه قال:"نومك مع أبوَيك على فراشهما يضاحكانِكَ ويلاعبانِكَ أفضل لك من الجهاد معي". ذكره ابن خُوَيز مَنْداد. وعن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبايعه على الهجرة، وترَك أبوَيه يبكيان، فقال:"ارجِعْ إليهما فأضحِكْهما كما أبكَيتَهما". أخرجه البخاريّ في الأدب المفرد 13 وصححه الألبانيّ في صحيح الأدب المفرد 10.
قال ابن المنذر: في هذا الحديث النهيُ عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير، فإذا وقَع وجَب الخروج على الجميع، وذلك بيِّن في حديث أبي قتادة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث بجيش الأمراء.. فذكر قصة زيد عن حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رواحة، وأن مناديَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نادى بعد ذلك أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أيها الناس، اخرُجوا فأمِدُّوا إخوانكم ولا يَتخلَّفَنَّ أحد"فخرج الناس مشاةً وركبانًا في حرّ شديد. فدل قوله:"اخرجوا فأمدوا إخوانكم"أن العذر في التخلف عن الجهاد إنما هو ما لم يقع النفير؛ مع قوله عليه السلام:"فإذا استُنفرتُم فانفِروا".
قلت: وفي هذه الأحاديث دليل على أن الفروض أو المندوبات متى اجتمعت قُدِّم الأهم منها، وقد استوفَى هذا المحاسبيُّ في كتاب"الرعاية".