فيقال: إن كان ما قاله هذا صحيحًا هنا دليل على صحة العقد؛ إذ لو كان فاسدًا لم تحصل القطيعة، وهذا جهل؛ وذلك أن الشارع بيَّن حكمته في منعه مما نهى عنه، وأنه لو أباحه للزم الفساد، فقوله تعالى:"لا تَدري لعل اللهَ يُحدثُ بعد ذلك أمرًا"وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تُنكح المرأةُ على عمتها ولا خالتها؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم"رواه ابن حبان في صحيحه [4116] وحسّنه الأرنؤوط. والطبرانيّ في الكبير [11/11931] عن ابن عباس بلفظ: نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن تُزوَّج المرأةُ على العمة والخالة، قال:"إنكم إذا فعلتم قطعتنَّ أرحامكنَّ"ورواية الطبرانيّ:"إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم"ونحو ذلك بيَّن أن الفعل لو أُبيح لحصل به الفساد فحرِّم منعًا من هذا الفساد. ثم الفساد ينشأ من إباحته ومن فعله إذا اعتقد الفاعل أنه مباح أو أنه صحيح، فأما مع اعتقاد أنه محرَّم باطل والتزام أمر الله ورسوله فلا تحصل المفسدة، وإنما تحصل المفسدة من مخالفة أمر الله ورسوله، والمفاسد فيها فتنة وعذاب، قال الله تعالى:"فلْيَحذَرْ الذين يُخالِفون عن أمرِه أن تُصيبَهم فتنةٌ أو يُصيبَهم عذابٌ أليمٌ" [النور: 63] .
وقول القائل: لو كان الطلاق غيرَ لازم لم يحصل الفساد.
فيقال: هذا هو مقصود الشارع، فنهَى عنه وحكَم ببطلانه ليزول الفساد، ولولا ذلك لفعَلَه الناس واعتقَدوا صحته فيَلزَم الفساد.
وهذا نظير قول من يقول: النهيُ عن الشيء يدل على أنه مقصود وأنه شرعيّ، وأنه يسمَّى بيعًا ونكاحًا وصومًا. كما يقولون في نهيه عن نكاح الشغار ولعنه المحلِّلَ والمحلَّلَ له ونهيه عن بيع الثمار قبل أن يبدوَ صلاحها، ونهيه عن صوم يوم العيدين، ونحو ذلك.