فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 523

وقول الطائفة الثانية أشبه بالأصول والنصوص، فإن هذا القول متناقض؛ إذ الأصل الذي عليه السلف والفقهاء أن العبادات والعقود المحرمة إذا فُعلت على الوجه المحرَّم لم تكن لازمة صحيحة، وهذا وإن كان نازَعَ فيه طائفة من أهل الكلام فالصواب مع السلف وأئمة الفقهاء؛ لأن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كانوا يستدلون على فساد العبادات والعقوبة بتحريم الشارع لها، وهذا متواتر عنهم. وأيضًا فإن لم يكن ذلك دليلًا على فسادها لم يكن عن الشارع ما يبيِّن الصحيح من الفاسد، فإن الذين قالوا: النهي لا يقتضي الفساد. قالوا: نعلم صحة العبادات والعقود وفسادها بجعل الشارع هذا شرطًا أو مانعًا ونحو ذلك، وقوله: هذا صحيح، وليس بصحيح، من خطاب الوضع والإخبار، ومعلوم أنه ليس في كلام الله ورسوله.

وهذه العبارات مثل قوله: الطهارة شرط في الصلاة، والكفر مانع من صحة الصلاة، وهذا العقد وهذه العبادة لا تصحّ. ونحو ذلك، بل إنما في كلامه الأمرُ والنهيُ والتحليلُ والتحريمُ، وفي نفي القبول والصلاح، كقوله:"لا يقبل الله صلاة بغير طُهور ولا صدقة من غُلول"رواه النسائيّ في المجتبَى [139] من حديث أسامة بن عُمير، وصححه الألبانيّ في صحيح النسائيّ [135] وأخرجه مسلم [224] بنحوه، وأحمد في المسند [2/20] والترمذيّ [1] من حديث ابن عمر وقوله: هذا لا يصلُح جزء من حديث أخرجه مسلم [1624/ 19] من حديث جابر رضي الله عنه، وفيه"فليس يصلُح هذا، وإني لا أَشهَد إلا على حق"وفي كلامه:"إن الله يَكره كذا"جزء من حديث أخرجه البخاريّ [1477] من حديث المغيرة بن شعبة ـ رضي الله تعالى عنه ـ وفيه:"إن الله كره لكم ثلاثًا، قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال"وفي كلامه الوعدُ ونحو ذلك من العبارات، فلم نستفد الصحة والفساد إلا بما ذكره، وهو لا يلزم أن يكون الشارع بيَّن ذلك، وهذا مما يُعلم فساده قطعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت