فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعانيَ فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصيَ بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه يجوز ذلك، لأن الله تعالى لم يأمر به فإنه لا يأمر بالفحشاء، وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن فقال إنه طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إنك قد عصَيتَ ربك وبانت منك. فقال الرجل: قضَى الله ذلك عليّ! فقال الحسن وكان فصيحًا: ما قَضَى الله ذلك. أي ما أمَر الله به، وقرأ هذه الآية: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) .
الثانية: أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده وجعل برَّ الوالدين مقرونًا بذلك، كما قرَن شُكرَهما بشكره، فقال: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا) وقال: (أنِ اشكُرْ لى ولوالدَيك إليّ المصيرُ) (لقمان: 14) وفي صحيح البخاري 2782عن عبد الله قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم: أيّ العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال:"الصلاة على وقتها"قال: ثم أيّ؟ قال:"ثم بر الوالدين"قال: ثم أيّ؟ قال:"الجهاد في سبيل الله"فأخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام، ورتب ذلك بـ"ثم"التي تعطي الترتيب والمهلة.
الثالثة: من البر بهما والإحسان إليهما ألا يتعرض لسبِّهما ولا يَعُقَّهما؛ فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف، وبذلك وردت السنة الثابتة، ففي صحيح مسلم 90/146 عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"إن من الكبائر شَتْمَ الرجل والدَيه"قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والدَيه؟ قال:"نعم، يَسُبّ الرجلُ أبا الرجل فيَسُبّ أباه، ويَسُبّ أمَّه فيَسُبّ أمَّه".