وسر المسألة أن العود يتضمن أمرين، أمرًا يعود إليه وأمرًا يعود عنه، ولا بد منهما، فالذي يعود عنه يَتضمن نَقضَه وإبطالَه والذي يعود إليه يَتضمن إيثارَه وإرادتَه، فعَودُ المظاهر يَقتضي نَقْضَ الظهار وإبطالَه وإيثارَ ضدِّه وإرادتَه، وهذا عين فهم السلف من الآية، فبعضهم يقول: إن العود هو الإصابة. وبعضهم يقول: الوطء. وبعضهم يقول: اللمس. وبعضهم يقول: العزم.
وأما قولكم: إنه إنما أوجب الكفارة في الظهار المُعاد. إن أردتم به المُعاد لفظُه فدعوى بحسَب ما فهمتموه، وإن أردتم به الظهار المُعاد فيه لِما قال المظاهِر لم يَستلزم ذلك إعادةَ اللفظ الأول. وأما حديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ في ظهار أوس بن الصامت فما أصحَّه وما أبعَدَ دلالتَه على مذهبكم.
ثم الذين جعلوا العود أمرًا غيرَ إعادة اللفظ اختلفوا فيه: هل هو مجرد إمساكها بعد الظهار أو أمر غيره؟ على قولين، فقالت طائفة: هو إمساكها زمنًا يتسع لقوله"أنتِ طالق"فمتى لم يصلْ الطلاقَ بالظهار لَزِمَته الكفارة. وهو قول الشافعيّ. قال منازعوه: وهو في المعنى قول مجاهد والثوريّ، فإن هذا النفَس الواحد لا يُخرج الظهار عن كونه موجِبَ الكفارة، ففي الحقيقة لم يوجب الكفارةَ إلا لفظُ الظهار، وزمنُ قوله"أنت طالق"لا تأثير له في الحكم إيجابًا ولا نفيًا، فتعليق الإيجاب به ممتنع، ولا تسمَّى تلك اللحظة والنفَس الواحد من الأنفاس عودًا، لا في لغة العرب ولا في عرف الشارع، وأيّ شيء في هذا الجزء اليسير جدًّا من الزمان من معنى العود أو حقيقته؟