فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 523

ونكتة المسألة أن القول في معنى المقول، والمقول هو التحريم، والعود له هو العود إليه، وهو استباحته عائدًا إليه بعد تحريمه، وهذا جارٍ على قواعد اللغة العربية واستعمالها، وهذا الذي عليه جمهور السلف والخلف، كما قال قتادة وطاووس والحسن والزهريّ ومالك وغيرهم، ولا يُعرف عن أحد من السلف أنه فسّر الآية بإعادة اللفظ ألبتة، لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم. وها هنا أمر خفيَ على من جعَله إعادةَ اللفظ، وهو أن العَودَ إلى الفعل يَستلزم مفارقةَ الحالة التي هو عليها الآن وعَودَه إلى الحال التي كان عليها أولًا، كما قال تعالى:"وإن عُدتم عُدنَا"ألا ترى أن عَودَهم مفارقةُ ما هم عليه من الإحسان وعَودُهم إلى الإساءة، وكقول الشاعر:

وإن عاد للإحسان فالعَودُ أحمدُ

والحال التي هو عليها الآن التحريم بالظهار، والتي كان عليها إباحةُ الوطء بالنكاح الموجِب للحلّ، فعودُ المظاهر عودٌ إلى حلٍّ كان عليه قبل الظهار، وذلك هو الموجِب للكفارة، فتأمَّلْهُ. فالعَودُ يقتضي أمرًا يعود إليه بعد مفارقته. وظهَر سرّ الفرق بين العود في الهبة وبين العود لما قال المظاهر، فإن الهبة بمعنى الموهوب، وهو عينٌ يتضمن عودُه فيه إدخالَه في مِلكه وتصرفَه فيه كما كان أولًا، بخلاف المظاهر فإنه بالتحريم قد خرج عن الزوجية، وبالعود قد طلب الرجوع إلى الحال التي كان عليها معها قبل التحريم، فكان الأليَقُ أن يقال: عاد لكذا. يعني: عاد إليه. وفي الهبة: عاد إليها. وقد أمر النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوس بن الصامت وسلمة بن صخر بكفارة الظهار، ولم يَتلفَّظَا به مرتَين، فإنهما لم يُخبِرَا بذلك عن أنفسهما ولا أخبَر به أزواجُهما عنهما ولا أحد من الصحابة، ولا سألهما النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم: هل قلتما ذلك مرة أو مرتين؟ ومثل هذا لو كان شرطًا لَمَا أُهمِل بيانُه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت