الثاني: وهو قوله سبحانه وتعالى: (تلك حدودُ الله فلا تَقرَبوها) (البقرة: 187) والمقصود بذلك أن الحق يريد أن يحصّن النفس البشرية من تأثير المحرَّمات عليها، وحتى لا تُلِحَّ هذه المحرَّمات على النفس أن تفعل أو تقبل ما حرّمه الله، فإذا ما كان المؤمن بعيدًا عن دائرة المحرَّمات ولا يَقترب منها فإنه بذلك يضمن لنفسه السلامة من الوقوع في الخطأ (وقوله:"تلك حدودُ اللهِ فلا تَعتَدُوها ومن يَتعَدَّ حدودَ اللهِ فأولئك هم الظالمون"أي هذه الشرائع التي شَرَعها لكم هي حدوده فلا تتجاوزوها، كما ثبت في الحديث الصحيح:"إن اللهَ حَدَّ حدودًا فلا تَعتَدُوها، وفرَض فرائضَ فلا تضيِّعوها، وحرَّم مَحارمَ فلا تَنتهِكوها، وسكَت عن أشياءَ رحمةً لكم غيرَ نسيان فلا تَسألوا عنها"رواه الحاكم في المستدرك [4/115] من حديث أبي ثعلبة الخُشَنيّ ـ رضي الله عنه ـ وسكت عنه عمدة التفسير 2/116ـ 117) .
إذًا فحدود الله تشتمل على نَوَاهٍ أمَر الله تعالى بالابتعاد عنها وتشتمل على أوامرَ من الله تعالى أمَر بالتزامها. إن الحق سبحانه وتعالى يريد بأوامره أن تظل في مجالها من الفعل بـ"افعل"ويريد بالنواهي أن تظل في مجالها من عدم الفعل بـ"لا تفعل"لأن الإنسان إن غيَّر نظام"لا تفعل"إلى"افعل"أو نقَل نظام"افعل"إلى"لا تفعل"إنما يكون ذلك سببًا في اختلال نظام الحياة، وإن اختلَّ نظام الحياة فسوف يقع الظلم.
والظلم إن كان من معانيه أن تأخذ حقًّا من صاحبه وتعطيَه لمن لا حقَّ له فإن من معانيه أيضًا أن ينقُل الإنسان أمرًا من دائرة"افعل"إلى دائرة"لا تفعل"أو أن ينقُل الإنسان أمرًا من دائرة"لا تفعل"إلى دائرة"افعل".