فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 523

ويقول الحق من بعد ذلك: (وأُحضرَتِ الأنفُسُ الشُّحَّ وإن تُحسنوا وتَتَّقوا فإن اللهَ كان بما تعملون خبيرًا) كأن الحق يقول: إنني عندما أطلب من المرأة أن تتنازل عن شيء من نفقتها أو أن تتنازل له عن ليلتها لينام عند الزوجة الأخرى أعلم أن هذا طلب قد يصعب على النفس. وكذلك تنازُلُ الرجل عن مقاييسه. والحق يحذِّرنا: إياكم أن يستوليَ الشحُّ على تصرفاتكم بالسنبة لبعضكم البعض (قال العلامة محمد رشيد رضا:"وأُحضرَتِ الأنفُسُ الشُّحَّ"بيَّن لنا سبحانه وتعالى في هذه الحكمةِ السببَ الذي قد يحُول بين الزوجين وبين الصلح الذي فيه الخيرُ وحسمُ مادة الخلاف والشقاق لأجل أن نَتَّقيَه ونجاهدَ أنفسَنا في ذلك، وهو الشحُّ، ومعناه: البخل الناشئ عن الحرص. ومعنى إحضارِه الأنفُسَ أنها عُرضةٌ له فإذا جاء مقتَضَى البذل ألَمَّ بها ونهَاها أن تبذُل ما ينبغي بذلُه لأجل الصلح وإقامة المصلحة، فالنساء حريصاتٌ على حقوقهنَّ في القَسْم والنفقة وحسن المعاشرة شحيحاتٌ بها، والرجال أيضًا حريصون على أموالهم أَشِحَّةٌ بها، فينبغي لكل منهما أن يتذكر أن هذا من ضعف النفس الذي يضرّه ولا ينفعه، وأن يعالجَه فلا يَبخَلَ بما ينبغي بذلُه والتسامحُ فيه لأجل المصلحة، فإن من أقبَحِ البخل أن يَبخَلَ أحد الزوجين في سبيل مرضاة الآخر بعد أن أفضَى بعضهما إلى بعض وارتَبَطَا بذلك الميثاق العظيم، بل ينبغي أن يكون التسامح بينهما أوسَعَ من ذلك، وهو ما تشير إليه الآية الآتية:(وإن تُحسنوا وتَتَّقوا فإن اللهَ كان بما تعملون خبيرًا) أي وإن تُحسنوا العشرة فيما بينكم، فتَتراحموا وتَتعاطفوا، ويَعذِرَ بعضُكم بعضًا، وتتقوا النشوز والإعراض وما يترتب عليهما من منع الحقوق أو الشقاق، فإن الله كان بما تعملونه من ذلك خبيرًا، لا يَخفَى عليه شيء من دقائقه وخفاياه ولا مِن قَصْدِكم فيه، فيجزي الذين أحسَنوا منكم بالحسنى والذين اتَّقَوا بالعاقبة الفُضلَى. قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت