الرابع: أنه قد ثبت في الصحيح عن النبيّ ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ أنه قال:"يَبقَى في الجنة فضل، فيُنشئ الله لها خلقًا يُسكنُهم إياها"أخرجه مسلم [2848/ 39] ولفظه عن أنس رضي الله تعالى عنه: قال صلى الله عليه وسلم:"يَبقَى من الجنة ما شاء الله أن يَبقَى، ثم يُنشئ الله تعالى لها خلقًا مما يشاء"ولو كان في الجنة إيلاد لكان الفضل لأولادهم وكانوا أحقَّ به من غيرهم.
الخامس: أن الله سبحانه جعل الحمل والولادة مع الحيض والمنيّ، فلو كانت النساء يَحبَلنَ في الجنة لم يَنقطع عنهنَّ الحيض والإنزال.
السادس: أن الله سبحانه قدّر التناسل في الدنيا لأنه قدّر الموت، وأخرَجَهم إلى هذه الدنيا قرنًا بعد قرن وجعل لهم أمَدًا يَنتهون إليه، فلولا التناسل لبَطَلَ النوع الإنسانيّ، ولهذا الملائكة لا تتناسل، فإنهم لا يموتون كما تموت الإنس والجن، فإذا كان يوم القيامة أخرج الله سبحانه الناسَ كلهم من الأرض وأنشأهم للبقاء لا للموت، فلا يحتاجون إلى تناسل النوع الإنسانيّ، إذ هو مُنشَأٌ للبقاء والدوام، فلا أهل الجنة يتناسلون ولا أهل النار.
السابع: أنه سبحانه وتعالى قال:"والذين آمَنوا واتَّبَعَتهم ذُرِّيَّتُهم بإيمانٍ ألْحَقْنَا بهم ذُرِّيتَهم" [الطور: 21] فأخبر سبحانه أنه يُكرمهم بإلحاق ذرياتهم الذين كانوا لهم في الدنيا، ولو كان يَنشأ لهم في الجنة ذرية أخرى لَذَكَرهم كما ذَكَر ذرياتهم الذين كانوا في الدنيا، لأن قرة أعينهم كانت تكون بهم كما هي بذرياتهم من أهل الدنيا.
الثامن: أنه إما أن يقال باستمرار التناسل فيها لا إلى غاية، أو إلى غاية ثم ينقطع، وكلاهما مما لا سبيل إلى القول به؛ لاستلزام الأول اجتماعَ أشخاص لا تَتناهَى، واستلزام الثاني انقطاعَ نوع من لذة أهل الجنة وسرورهم، وهو محال، ولا يمكن أن يقال بتناسلٍ يموت معه نسلٌ ويَخلُفه نسل؛ إذ لا موت هناك.