وقد اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: في الجنة جماع ولا يكون ولد. هكذا رُوي عن طاووس ومجاهد وإبراهيم النخعيّ. وقال محمد يعني البخاريّ: قال إسحاق بن إبراهيم في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم:"إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان في ساعة كما يشتهي"ولكن لا يَشتهي جملة"ولكن لا يَشتهي"هي قول إسحاق، وقال الألبانيّ في تخريج المشكاة [5648] : وقول إسحاق ليس من الحديث، ثم هو مما لا دليل عليه في السنة الصحيحة وظاهر الحديث يرده. وقال ابن كثير في نهاية البداية والنهاية [2/344] : ونُقل عن جماعة من التابعين كطاووس ومجاهد وإبراهيم النخعيّ وغيرهم أن الجنة لا يولد فيها. ثم قال: وهذا صحيح؛ وذلك أن جماعهم لا يَقتضي ولدًا كما هو الواقع في الدنيا، فإن الدنيا دار يُراد منها النسل لتَعمُرَ، أما الجنة فالمراد بقاء الملك، ولهذا لا يكون في جماعهم مَنِيٌّ يَقطع لذة الجماع، ولكن إذا أحب أحدهم الولد يقع كما يريد، قال الله تعالى:"لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين" [الزمر: 34] قال محمد: وقد رُوي عن أبي رَزين العُقيليّ عن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"إن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد".
وتأويل إسحاق فيه نظر؛ فإنه قال:"إذا اشتهى المؤمن الولد"و"إذا"للمتحقِّق الوقوع، ولو أريد ما ذكره من المعنى لقال: لو اشتهى المؤمن الولد لكان حملُه في ساعة. فإن ما لا يكون أحقُّ بأداة"لو"كما أن المتحقِّق الوقوع أحقُّ بأداة"إذا".
وأما حديث أبي رَزين الذي أشار إليه البخاريّ فهو حديثه الطويل، ونحن نسوقه بطوله نجمِّل به كتابنا، فعليه من الجلالة والمهابة ونور النبوة ما ينادي على صحته: