والبيهقيّ في البعث وفي الشُّعَب والطبرانيّ والبغويّ وذكر مقاتل قولًا آخر، وهو اختيار الزجاج، أنهنَّ الحور العين التي ذكرهنَّ. قيل: أنشأهنَّ الله عز وجل لأوليائه، لم يقع عليهنَّ ولادة.
والظاهر أن المراد: أنشأهنَّ الله تعالى في الجنة إنشاء. ويدل عليه وجوه:
أحدها: أنه قد قال في حق السابقين:"يَطُوف عليهم وِلدانٌ مخلَّدون. بأكوابٍ..."إلى قوله:"...كأمثال اللؤلؤ المكنون" [الواقعة: 17 ـ 23] فذكَر سُرُرَهم وآنيتَهم وشرابَهم وفاكهتَهم وطعامَهم وأزواجَهم من الحور العين، ثم ذكَر أصحابَ الميمنة وطعامَهم وشرابَهم وفُرُشَهم ونساءهم، والظاهر أنهنَّ مثلُ نساءِ مَن قبلَهم خُلقنَ في الجنة.
الثاني: أنه سبحانه قال:"إنَّا أنشأناهنَّ إنشاء"وهذا ظاهر أنه إنشاء أولُ لا ثانٍ؛ لأنه سبحانه حيث يريد الإنشاء الثانيَ يقيده بذلك كقوله:"وأن عليه النشأةَ الأخرى" [النجم: 7] وقوله:"ولقد عَلمتم النشأةَ الأولى" [الواقعة: 62]
الثالث: أن الخطاب بقوله:"وكنتم أزواجًا ثلاثة" [الواقعة: 7] إلى آخره للذكور والإناث، والنشأة الثانية أيضًا عامة للنوعين كقوله:"إنَّا أنشأنهنَّ إنشاء"ظاهره اختصاصهنَّ بهذا الإنشاء، وتأمَّل تأكيده بالمصدر.
والحديث لا يدل على اختصاص العجائز المذكورات بهذا الوصف، بل يدل على مشاركتهنَّ للحور العين في هذه الصفات المذكورة، فلا يُتوهَّمُ انفرادُ الحور العين عنهنَّ بما ذُكر من الصفات، بل هي أحق به منهنَّ، فالإنشاء واقع على الصنفين. والله أعلم.