ذهب جمهور أهل العلم إلى أن لبن المرضع يحرِّم، سواء تناوله الطفل من ثديها أو حُلب له في إناء وشربه من الإناء. بينما ذهب أبو محمد ابن حزم ومعه بعض العلماء إلى أن الذي يحرِّم هو ما ارتُضع من الثدي فقط، متمسِّكين بالمعنى اللغويِّ للإرضاع. ولا شك أن رأي الجمهور أرجح؛ لأنه لبن امرأة سُدَّت به المجاعة وفُتِقَت به الأمعاء. والله تعالى أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: واستُدل به على أن التغذية بلبن المرضِعة يحرِّم، سواء كان بشربٍ أم أكلٍ بأيّة صفة كان، حتى الوَجُور والسَّعُوط والثَّرد والطبخ وغير ذلك، إذا وقع بالشرط المذكور من العدد؛ لأن ذلك يطرد الجوع وهو موجود في جميع ما ذكر، فيوافق الخبر والمعنى، وبهذا قال الجمهور، لكن استثنَى الحنفيةُ الحقنةَ، وخالَف في ذلك الليثُ وأهلُ الظاهر فقالوا: إن الرضاعة المحرِّمة إنما تكون بالتقام الثدي ومَصِّ اللبن منه.
وقال الشافعيّ: والوَجُور كالرضاع، وكذلك السَّعُوط؛ لأن الرأس جوف.
وقال الكاسانيّ: ويستوي في تحريم الرَّضاعِ الارتضاعُ من الثدي والإسعاطُ والإيجارُ، لأن المؤثِّر في التحريم هو حصولُ الغذاء باللبن وإنباتُ اللحم وإنشارُ العظم وسدُّ المجاعة، وذلك يحصل بالإسعاط والإيجار، لأن السَّعُوط يصل إلى الدماغ وإلى الحلق فيغذّي ويسدّ الجوع، والوَجُور يصل إلى الجوف فيغذّي. جامع أحكام النساء 3/80ـ 81).
وبعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: (وربائبُكم اللاتي في حُجُورِكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنَّ) والرَّبيبة هي بنت المرأة من غير زوجها الجديد. بمعنى أن تكون المرأة قد تزوجت وأنجبت بنتًا ثم طلقها زوجها أو مات عنها وبعد ذلك تزوجت المرأة رجلًا آخر، ومعها ابنتها، فتكون ربيبة؛ لأن الزوج الجديد يأخذها في حمايته ورعايته ويكون في مقام الأب، حيث إنه الذي يقوم بتربيتها، فتأخذ حكم البنوّة.